إسرائيل تحتفي بـ"شرطي العالم" ترامب: رسائل القوّة من كاراكاس إلى طهران
لقيت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ترحيباً إسرائيلياً، شأنها شأن الهجمات الأميركية التي استهدفت مواقع عدة في فنزويلا. ووصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية اختطاف مادورو بأنه دليل إلى أن "الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يكتفي بالتهديد، بل يتخذ إجراءات فورية، وهذه رسالة واضحة إلى الدول الأخرى والتنظيمات الإجرامية".
وركز الإعلام الإسرائيلي على أن فنزويلا تُعد دولة محورية ضمن محور يضم إيران و"حزب الله" وكوريا الشمالية، فضلاً عن كونها مورّداً رئيسياً للنفط إلى الصين وروسيا وعدد من الدول الأخرى، نظراً لامتلاكها أكبر احتياطيات نفطية في العالم. لذلك، اعتُبرت العملية بالغة التعقيد من الناحية التكتيكية، إذ جرى اختطاف مادورو حيّاً من قلب قاعدة عسكرية محصّنة في العاصمة كاراكاس، عبر عملية تضمنت عدداً كبيراً من مراحل التنفيذ.
عملية معقّدة
نقل المحلل العسكري في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية آفي أشكينازي عن المسؤول الأمني السابق اللواء المتقاعد ديفيد تسور، قائد وحدة مكافحة الإرهاب، تحليله لمراحل العملية، مشيراً إلى أن نجاحها نبع أساساً من جمع معلومات استخباراتية دقيقة للغاية، مكّنت القوات من الوصول إلى الهدف وتحييد منظومات الدفاع، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي والبحري، ثم السيطرة على القاعدة العسكرية، قبل قطع الاتصال مع الهدف وتسليمه إلى سفن البحرية الأميركية.
وأشاد تسور بالقدرات العملياتية التي أظهرتها القوات الأميركية، قائلاً إن "قوة دلتا من أفضل فرق العمليات الخاصة في العالم، وهي تضاهي وحدة سيريت متكال الإسرائيلية من حيث الكفاءة".
وأضاف أن النجاح الأبرز للعملية تمثّل في العمل الاستخباراتي، ولا سيما دور وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، التي رسمت خريطة شاملة لكل التهديدات، بدءاً من تعطيل أنظمة الرادار، مروراً بأنظمة الدفاع الجوي، بما فيها بطاريات SA-300 الروسية الصنع، وصولاً إلى شلّ سلاح الجو الفنزويلي. كما شملت المعلومات تفاصيل دقيقة عن الأمن داخل القاعدة، من عدد الجنود والحرس الرئاسي، إلى المواقع الأمنية ووسائل الحماية المتوافرة، وخيارات الهروب المحتملة.
قاضٍ يهودي سيحاكم مادورو
بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يُتهم مادورو بالتآمر وارتكاب ما يُعرف بـ"إرهاب المخدرات"، إضافة إلى حيازة أسلحة واستيراد الكوكايين. وقد وقع الاختيار على القاضي ألفين هيلرشتاين، البالغ من العمر 92 عاماً، ليتولى محاكمته. ويُعد هيلرشتاين شخصية معروفة في المجتمع اليهودي في نيويورك، وهو يهودي متدين.
يُحتجز مادورو حالياً في مركز الاحتجاز الفيدرالي في بروكلين (MDC)، وهو سجن سيئ السمعة، يصفه الحراس بأنه من أكثر مرافق مصلحة السجون إشكالية وخطورة، فيما يصفه النزلاء بأنه "جحيم على الأرض"، وتعتبره منظمات حقوق الإنسان مكاناً قاسياً يكسر معنويات المحتجزين حتى قبل إدانتهم.
وسيُحتجز مادورو في وحدة خاصة بالسجناء ذوي الخطورة العالية تُعرف بـ"4 شمال"، وهي أشبه بمهاجع جماعية من دون زنزانات منفردة، وتحت حراسة مشددة، قبل نقله إلى الجناح الآمن، في واحدة من أكثر المحاكمات تعقيداً وأهمية في تاريخ القضاء في نيويورك.
وأشارت الصحيفة إلى أن هيلرشتاين ليس قاضياً عادياً، إذ يلتزم بالعطلة الدينية يوم السبت، وكان رئيساً سابقاً لأحد أبرز المراكز اليهودية الأرثوذكسية في الجانب الغربي العلوي من مانهاتن. ويشمل روتينه اليومي الصلوات، إلى جانب مباريات تنس منتظمة مع ثلاثة حاخامات، تتخللها نقاشات فقهية وقانونية. وقد اكتسب سمعة كمحامٍ دقيق ومتأنٍ، تولّى قضايا كبرى، من بينها ملفات تعويضات ضحايا هجمات 11 أيلول/سبتمبر وقضايا احتيال معقدة، برغم معاناته من ضعف في السمع، إذ يستخدم سماعات حديثة لمتابعة جلسات المحكمة، ويتدخل باستمرار لطرح أسئلة مباشرة على الشهود.
ترامب لا يُبالي بالعالم
ربط الصحافي الإسرائيلي بن درور يميني بين اختطاف مادورو والاحتجاجات في إيران، معتبراً أن العملية تشكّل "ضربة قوية لحليف مهم لطهران"، في وقت تشهد فيه الجمهورية الإسلامية تظاهرات لم تصل بعد إلى إسقاط النظام. وأشار إلى أن ترامب أوضح أنه لا يكتفي بالكلام، بل يتحرك بالفعل.
وأضاف يميني أن فنزويلا ليست أكبر مصدر للمخدرات إلى الولايات المتحدة، إذ تتقدم عليها كولومبيا والمكسيك بفارق كبير، لكنها تمثل محطة عبور أساسية، ما يجعل العملية إنجازاً مزدوجاً في الحرب على المخدرات، ورسالة واضحة إلى الدول والتنظيمات الإجرامية، فضلاً عن كونها ضربة لمحور يضم الصين وروسيا وإيران.
وأشار إلى معلومات نُشرت في الولايات المتحدة عن تعاون بين فنزويلا و"حزب الله" في تجارة المخدرات، معتبراً أن هذه الشبكات ترتبط بمحور سياسي وأمني أوسع. وانتقد يميني القانون الدولي، معتبراً أنه "عاجز عن التعامل مع أنظمة ديكتاتورية تدير تجارة المخدرات وتحمي منظمات إرهابية".
وخلص إلى أن "الادعاءات بأن العملية الأميركية تهدف إلى سرقة النفط الفنزويلي لا تصمد"، إذ أعلن ترامب أن الشركات الأميركية ستعيد تأهيل حقول النفط، بما يعود بالفائدة على السكان المحليين والشركات الأميركية معاً، معتبراً أن "الفساد هو السبب الرئيسي في فقر فنزويلا برغم ثروتها النفطية".
وختم يميني بالقول إن عملية كاراكاس تضع الولايات المتحدة مجدداً في موقع "شرطي العالم"، وقد يكون لها تأثير مباشر على معارضي الأنظمة الحليفة لإيران، فاتحةً الباب أمام مرحلة جديدة أكثر حسماً في السياسة الدولية.
من جهته، رأى المحلل السياسي إيتمار أيخنير أن العملية تشكّل "رسالة مباشرة إلى طهران لإبرام اتفاق نووي ينهي تخصيب اليورانيوم بالكامل"، محذراً من أن البديل سيكون "تصعيداً أكبر"، في وقت تخشى فيه روسيا والصين وكوبا أن تكون الهدف التالي. واعتبر أن التحرك الأميركي يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي في محيط الولايات المتحدة، وتوجيه رسالة قوة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء، في ما وصفه بـ"ملامح نظام عالمي جديد".

نبض