ترامب والتفاوض مع إيران: "ديبلوماسية كمائن"؟
يقول البعض إن ديبلوماسية ترامب الدولية، خصوصاً مع إيران، أصبحت وسيلة للخداع تمهيداً لعمل عسكري. فما دقة هذا التحليل؟
وصف الكاتب في صحيفة "ذا هيل" الأميركية براهما شيلاني تفاوض الرئيس دونالد ترامب بأنه "ديبلوماسية كمين" لأنه يحوّل المحادثات مع الخصوم إلى وسيلة لإلهائهم قبل ضربهم. لم تقتصر أمثلة شيلاني فقط على المفاوضات السابقة مع إيران، بل تعدتها لتشمل أمثلة من فنزويلا مروراً بسوريا ووصولاً إلى نيجيريا. بعبارة أخرى للكاتب، يعتنق ترامب "عقيدة التفاوض للهجوم".
لكن هل التقييم في محله؟ في وقت تستحق هذه الفكرة النقاش، تبقى الأدلة الداعمة قليلة. منذ ظهوره على المسرح السياسي، قدّم ترامب نفسه مناوئاً للحروب حتى وُصف بـ"الانعزالي". ليس الترويج الذاتي دليلاً قاطعاً على ما يفكر به، لكن قرارات ترامب العملية أظهرت ميلاً لديه إلى تفضيل الديبلوماسية على الحرب.
كم مرة "سامح" ترامب إيران؟
خلال ولايته الأولى، وحين أحاط نفسه بمستشارين جمهوريين من الصقور، رفض ترامب العديد من نصائحهم حيال طهران. في مثل الشهر من سنة 2019، أسقطت إيران مسيّرة أميركية كانت تحلّق في الأجواء الدولية بحسب الإدارة، فتفادى ترامب الردّ العسكري. بعد ذلك بثلاثة أشهر، استهدفت مسيّرات إيرانية منشآت "أرامكو" النفطية في المملكة العربية السعودية. مجدداً، آثر ترامب الامتناع عن استخدام القوة. لم يلجاأ ترامب إلى القوة إلا عند الضرورة القصوى، كما حدث حين استخدم نظام بشار الأسد السلاح الكيميائي ضد المعارضين أو حين حاول محتجون اقتحام السفارة الأميركية في بغداد، وهو ما ذكّر باقتحام القنصلية في ليبيا سنة 2012 ومقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز.

صحيح أن ميل ترامب إلى القوة العسكرية في الولاية الثانية بات أكبر، لكنه لا يزال قاصراً عن بلوغ سياسة متجانسة. أطاح "مبدأ مونرو" الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكن ضعف الأخير على المستويين الشعبي والاقتصادي ومساهمته في تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة (بحسب القضاء الأميركي) حفّزا ترامب على اللجوء إلى القوة. حتى مع إيران، لم تكن الحرب حتمية.
سهّل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المهمة بمجرد أن خاض حرباً منفردة عليها في حزيران/يونيو 2025، مما دفع البيت الأبيض إلى المشاركة في العملية خلال الساعات الأخيرة منها. لكن الرئيس الأميركي عاد ودخل في صدام مع نتنياهو حين أراد استئناف الحرب بعد ضرب القاذفات الأميركية البرنامج النووي، كما بعد إلحاحه مؤخراً على تصعيد الحرب في لبنان. ولولا النجاح السريع لـ"عملية الحزم المطلق" في كاراكاس، لأمكن أن تنجو إيران من الحرب الثانية.
ترامب ومشكلة "نظرية الكمائن"
على الأرجح، لا يستخدم ترامب الديبلوماسية كغطاء للتحرك العسكري، لكنه ينظر أحياناً إلى فشله الديبلوماسي كضربة معنوية يوجهها الخصم ضده، مما يدفعه إلى الرد بشدة. للتذكير، فكّر ترامب في آب/أغسطس 2019 بصفقة لمدّ إيران بخط ائتماني قيمته 15 مليار دولار معرباً عن استعداده للقاء الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني من دون شروط مسبقة. قوبل هذا التوجه بضغط من مستشاريه. وأعرب ترامب مؤخراً عن رغبته بلقاء المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

عملياً، يصعب الادعاء بأن ترامب يعتمد "ديبلوماسية الكمائن". فهذا يحتاج إلى وثائق داخلية قد لا تظهر قبل أعوام للتأكد من أن الرئيس الأميركي أعدّ أولاً خطة سرية للضرب، ثم راح يفاوض لخداع الآخرين ودفعهم إلى التخلي عن دفاعاتهم. ما يتبيّن من الأحداث لغاية اليوم أن حروب ترامب نجمت غالباً عن تراكم عوامل تراوحت بين الشخصي والموضوعي، لا عن خطط محكمة ومعدة سلفاً. تعاقبُ العمليات العسكرية بعد المفاوضات ليس كافياً وحده للحديث عن "نظرية كمائن".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض