إنه ظاهرة في تاريخ المنظمات شبه العسكرية. لم ينشأ "الحرس الثوري" فقط من رحم معاناة إيران في حربها مع العراق. هناك، كان الحرس حلّاً لضعف إيران العسكري التقليديّ. كذلك، أراد المرشد الإيراني الأسبق روح الله الخميني حماية الثورة من الانقلاب عليها. كان الحرس أيضاً الحلّ لغياب ثقة الخميني بالجيش التقليدي. وهنا المفارقة الكبرى:
تحتفل إيران بذكرى الثورة في 11 شباط/فبراير من كل عام. فهو اليوم الذي أعلن فيه الجيش الإيراني وقوفه على الحياد بمواجهة التظاهرات سنة 1979. لم يرد الخميني في المستقبل حياداً عسكرياً مشابهاً بمواجهة تظاهرات شعبية ضده. لذا، أسّس المنظمة. لكن في الوقت نفسه، لم يرد الخميني من الحرس التدخل في الشأن السياسي. لم تتحقق تلك الإرادة. سوءُ الحسابات كان حاضراً.
الحرس... 4 عصافير بحجر
كان الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني مقرّباً من الخميني. يبدو أن رفسنجاني أراد تنفيذ رغبة المرشد الأسبق بإبعاد الحرس الثوري عن السياسة. لذلك، منح المنظّمة ما ظنّ أنها أداة إلهاء.

سمح رفسنجاني للحرس الثوري بتأسيس شركة هندسة خاصة به. اعتقد الرئيس الأسبق، وقد مُنح سلطة الإشراف على الحرب في أواخر أعوامها، أن بإمكان المنظمة الاستفادة من تجاربها الهندسية في النزاع، وتوسيعها لتشمل قطاع إعادة الإعمار.
هكذا، فُتح الباب أمام الحرس الثوري للحصول على منافع مقابل تضحياته في الحرب، إلى جانب إفادة البلاد من خبرته، وتمويل نفسه بنفسه. وعلى رأس هرم المكاسب، يأتي إشغال الحرس بقطاع البناء، لإبقائه بعيداً من التدخل في الشؤون السياسية. إذاً، إنّه سِربٌ من العصافير أمكن اصطياده بحجر واحد. أو هكذا خُيّل لرفسنجاني.
خامنئي ليس الخميني
أدرك المرشد السابق علي خامنئي أن تعزيز قبضته على السلطة تقتضي اتّكاءه على قوة الحرس الثوري. بالمقابل، أدرك الأخير أن توسيع قوته الداخلية بحاجة إلى مشروعية دينية من المرشد. من هنا، عزّز الطرفان سلطتهما بشكل متبادل. ثم جاء حدثٌ مفصليّ.
ففي سنة 1999، حين عمّت التظاهرات الطلابية الجامعات الإيرانية بسبب إغلاق صحيفة "سلام" الإصلاحية التابعة لـ "جمعية علماء الدين المناضلين"، وجّه أكثر من 20 قائداً في الحرس الثوري تحذيراً حاد اللهجة إلى الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي من تداعيات دعم الاحتجاجات. (من بين الموقّعين على تلك الرسالة رئيس مجلس الشورى الحالي محمد باقر قاليباف).

كان موقف الحرس متوافقاً مع موقف خامنئي. في غضون أيام قليلة، تم إخماد الاحتجاجات. بعد 10 أعوام على نهاية الحرب مع العراق، فشلت نظرية إشغال الحرس بقطاع البناء فشلاً ذريعاً. في الواقع، أتت بنتائج عكسية.
الحرس ككرة ثلج قاتلة... بالاتجاهين
تدحرجت قوة الحرس الثوري الاقتصادية ككرة ثلج. فهي توسعت من امتلاك شركة إعمار (مقر خاتم الأنبياء للإعمار)، إلى تأسيس شركات للطاقة والاتصالات والصيرفة والطيران وغيرها. بحسب بعض الأرقام، تصل قيمة إمبراطورية الحرس الاقتصادية إلى نحو 100 مليار دولار، أو ثلث حجم الاقتصاد الإيراني. تضعه أرقام أخرى عند أكثر من نصف هذا الحجم.
من هنا، يمكن فهم الرهان الأميركي على أن إيران ستبرم الاتفاق المقدّم إليها، إذا كان البديل هو قصف الجسور والبنى التحتية وخنقاً اقتصادياً طويل المدى، حتى ولو قررت أميركا لاحقاً وقف الحرب بطريقة أحادية. وإبرام اتفاق الهدنة الأولي بعد التهديد الأساسي يؤكد هذا المنحى.
فالحرس الثوري ليس انتحارياً. هو يريد الحفاظ على مكتسبات بناها على مدى أكثر من 40 عاماً. والمكتسبات هنا اقتصادية، والأهم، سياسية. فهو بات صاحب الكلمة الفصل في المفاوضات والحروب وحتى اختيار المرشد.
لكن تظاهر الحرس بأنه منظمة انتحارية، لرفع نفوذه في المفاوضات، قد لا يختلف كثيراً عمّا لو كان فعلاً كذلك. فالإفراط بشدّ الحبال مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يُفقد الحرس الكثير من مكتسباته الطويلة المدى، وبلمح البصر.
نبض