حصار إيران في يومه الأول: سفن تعبر هرمز والكلفة تتصاعد
لم يحتج الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية إلى أيام كي يترك أثره. منذ لحظة دخوله حيّز التنفيذ عند الساعة الخامسة بعد ظهر أمس، بدأت السوق البحرية تتصرف على أساس أن المخاطر ارتفعت فوراً، حتى قبل تسجيل أي اعتراض أميركي مباشر لسفن تجارية.
ووفق القيادة المركزية الأميركية، فإن الإجراء يستهدف السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، فيما لا يشمل من حيث المبدأ السفن العابرة لمضيق هرمز إلى موانئ غير إيرانية. كما أبلغت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) بفرض قيود على الوصول البحري إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية اعتباراً من التوقيت نفسه، ومن دون تمييز بين أعلام السفن المتعاملة مع الموانئ والمنشآت النفطية الإيرانية.
ماذا حصل فعلياً؟
في الساعات الأولى، لم يظهر مشهد "إغلاق كامل"، بل مشهد إرباك وانتقاء. "رويترز" رصدت خروج ناقلتين مرتبطتين بإيران من الخليج، في وقت بدأت فيه سفن أخرى تتجنب مضيق هرمز، وبينها ناقلة ترفع علم مالطا قامت باستدارة قرب المضيق. كما دخلت ناقلتان باكستانيتان الخليج قبل سريان الإجراء، إحداهما متجهة إلى الإمارات لتحميل خام "داس"، والأخرى إلى الكويت لتحميل منتجات مكررة. هذا يعني أن بداية التنفيذ لم توقف كل حركة الملاحة، لكنها فرزت سريعاً بين مسارات يمكن أن تستمر ومسارات باتت أكثر كلفة أو أكثر عرضة للتأجيل.
بعد 24 ساعة على بدء الحصار، لم تكن هناك تقارير عن لجوء واشنطن إلى اعتراض مباشر للسفن التجارية لتطبيقه بالقوة. لكن في المقابل، لم يعد البحر يعمل كما كان قبل الإعلان. فبحسب "رويترز"، عبرت اليوم الثلاثاء ثلاث ناقلات مرتبطة بإيران مضيق هرمز من دون أن تكون متجهة إلى موانئ إيرانية، ما أبقاها خارج نطاق الحظر كما صيغ أميركياً.
لكن التطور الأبرز تمثّل في تسجيل أول اختبار عملي للحصار. فقد أظهرت بيانات ملاحية أن ناقلة صينية خاضعة للعقوبات الأميركية تمكنت من عبور مضيق هرمز ومغادرة الخليج.
ووفق بيانات "مارين ترافيك" و"كبلر"، فإن الناقلة "ريتش ستاري"، التي تحمل نحو 250 ألف برميل من الميثانول، تعد أول سفينة تغادر المنطقة منذ بدء الحصار، بعدما جرى تحميلها في ميناء الحمرية في الإمارات، وهي مملوكة لمستثمرين صينيين وتخضع، مع مالكها، لعقوبات أميركية بسبب التعامل مع إيران.
كذلك، أظهرت البيانات دخول ناقلة أخرى خاضعة للعقوبات، تحمل اسم "مورليكيشان"، إلى المضيق أيضاً، مع توقعات بتحميلها شحنة خلال الأيام المقبلة، ما يشير إلى أن مسارات مرتبطة بالعقوبات لا تزال قادرة على العمل، ولو بهوامش ضيقة.
وفي الخلفية، لا يزال المضيق يعمل بأقل كثيراً من وتيرته الطبيعية. "رويترز" نقلت أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن مرور 34 سفينة يوم الأحد، فيما المعدل الطبيعي يتجاوز 100 سفينة يومياً. هذا التراجع لا يرتبط فقط بحصار 13 نيسان/أبريل، بل بتداعيات الحرب وإغلاق إيران شبه الكامل للمضيق منذ نهاية شباط/فبراير، قبل أن يضيف الحصار طبقة جديدة من الردع والالتباس.
أول اختبار للحصار… هل نجح فوراً؟
إذا كان معيار النجاح هو "وقفاً فورياً وكاملاً"، فإن عبور ناقلات خاضعة للعقوبات في اليوم الأول يشير إلى أن الحصار لم يصل بعد إلى مرحلة الإغلاق الفعلي. لكن إذا كان المعيار هو تغيير السلوك، فالنتيجة واضحة.. السوق تكيّفت فوراً.
الشركات لم تنتظر أول عملية اعتراض، بل بدأت بإعادة حساباتها. بعض السفن غيّر مساره، وبعض الشحنات بقيت عالقة عملياً، فيما استمرت أخرى في العبور ضمن هوامش قانونية أو تشغيلية ضيقة. هذا يعني أن الاختبار الأول كان تجارياً ونفسياً أكثر منه عسكرياً.
على مستوى النفط، الأثر كان فورياً. "أسوشيتد برس" ذكرت أن الخام الأميركي قفز 8% إلى 104.24 دولارات، وبرنت 7% إلى 102.29 دولار، قبل أن تتراجع الأسعار لاحقاً مع عودة الحديث عن التفاوض، لتستقر دون 100 دولار. السوق، إذاً، لم تسعّر شللاً فورياً، بل خطر التصعيد.
الأهم أن الحصار لا يبدأ من الصفر في سوق نفط مستقرة، بل يُفرض فوق سوق مضطربة أصلاً. فالحرب أدت بالفعل إلى أكبر اضطراب عالمي في الإمدادات، في وقت يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يجعل حتى "التطبيق الجزئي" كافياً لإبقاء الأسعار والتأمين والنقل في حالة توتر مستمر.
من يدفع الثمن؟
الكلفة الأولى تقع على إيران، مع تعقيد عمليات التصدير وضغط مباشر على العائدات، في وقت كانت تصدّر نحو 1.7 إلى 1.8 مليون برميل يومياً، إضافة إلى أكثر من 180 مليون برميل مخزنة أو محمّلة على سفن.
الكلفة الثانية تقع على الصين وآسيا أكثر من غيرهما، لأن معظم النفط الإيراني قبل الحرب كان يتجه إلى الصين، فيما تتجه معظم الشحنات العابرة لهرمز إلى آسيا. لذلك، فالحصار ليس مجرد أداة ضغط على طهران، بل أيضاً أداة ضغط غير مباشر على بكين والمشترين الآسيويين.
وكانت "رويترز" قد وثّقت خلال الحرب استمرار عبور ناقلات مرتبطة بالصين والهند وماليزيا وتايلاند، عبر شحنات غير إيرانية أو ترتيبات خاصة.
أما الكلفة الثالثة فتقع على السوق العالمية، ولا تبدأ من سعر البرميل فقط. وهنا يجب التمييز بوضوح بين أثر الحصار نفسه وأثر الحرب المتراكم قبله. فارتفاع أقساط التأمين الحربي إلى مستويات تقارب 3 في المئة من قيمة السفينة، أي ما يعادل نحو 7.5 ملايين دولار لناقلة قيمتها 250 مليون دولار، مع تسعير يومي متحرك، هو تطور سبق إعلان الحصار الحالي ويرتبط بتراكم المخاطر منذ آذار/مارس، لا بنتيجة قرار ترامب وحده. لكن هذا الإرث التأميني جعل الساعات الأولى من الحصار أكثر وقعاً، لأن السوق كانت أصلاً تعمل بكلفة حرب مرتفعة جداً.
الخلاصة أن الحصار نجح سريعاً في تغيير نمط الملاحة في المنطقة، لكنه لم ينجح بعد في فرض توقف كامل أو في إثبات أن الشركات ستلتزم على المدى الأطول من دون التفاف أو استثناءات. وفي الأثناء، من يدفع الثمن ليس إيران وحدها. طهران تدفع عبر عائداتها وصادراتها، لكن الأسواق تدفع عبر الخوف، وآسيا عبر هشاشة الإمدادات، والعالم عبر نفط صار يتحرك أقل، ويكلّف أكثر.
نبض