من فتح هرمز إلى حصاره: ترامب يضغط مجدداً أم يغامر بمواجهة؟
انقلب دونالد ترامب على العنوان نفسه الذي حكم المواجهة في مضيق هرمز خلال الحرب. من العمل على فتحه بعدما قيّدته إيران، إلى التهديد بإغلاقه وفرض حصار بحري عليه. هذا التحول لا يعبّر فقط عن تصعيد إضافي، بل عن تغيير في موقع المضيق داخل الصراع، وفي طريقة استخدامه، وما قد يترتب عليه في مسار المواجهة في الشرق الأوسط.
خلال الأسابيع الماضية، تعاملت واشنطن مع هرمز كعقدة يجب تفكيكها، لا كأداة يجب تفجيرها. إيران، في المقابل، استخدمته كورقة ضغط من دون إغلاقه بالكامل، فكانت حركة الملاحة شبه متوقفة، ومحصورة بسفن محددة سُمح لها بالعبور بشروط قاسية، في إدارة دقيقة للإيقاع لا في كسره.
هذا التوازن هو ما سقط عملياً بعد فشل مفاوضات إسلام آباد، مع انتقال الحديث من ضبط المضيق إلى التلويح بإغلاقه.
التفاوض بسقف أقصى
المحادثات لم تفشل بسبب عقدة طارئة، بل بسبب فجوة بنيوية. ترامب دخل بسقف لا يترك مجالاً للتدرّج، معلناً أنه لا يريد "90% ولا 95%" بل "كل شيء". في المقابل، تمسكت طهران بثوابتها: التخصيب، الدور الإقليمي، البرنامج الصاروخي، والتحكّم بهرمز.
بهذا الشكل، لم تكن المفاوضات مساراً مفتوحاً، بل اختبار قوة. ومع غياب أرضية مشتركة، بدا الفشل نتيجة شبه حتمية. لكن ما تلاه هو الأهم، إذ تحوّل التعثّر سريعاً إلى تصعيد، في مؤشر، ربّما، إلى أن أدوات الضغط لم تعد كافية لدفع مسار تفاوضي.
هرمز… من إدارة ضغط إلى ساحة احتكاك
إعادة طرح الحصار تعني عملياً نقل الاشتباك إلى مستوى مختلف. فالمضيق الذي أُدير خلال الحرب كأداة ضغط محسوبة، بات مهدداً بأن يتحول إلى نقطة احتكاك مباشرة.
وجاء الرد الإيراني واضحاً. فقد أكدت قيادة بحرية الحرس الثوري أن "جميع حركات الملاحة في المضيق تخضع لسيطرة كاملة"، محذّرة من أن "العدو سيعلق في دوامة قاتلة اذا أقدم على خطوة خاطئة"، في إشارة إلى استعدادها للتصعيد الميداني.
في هذا السياق، تبرز الصين كعنصر حاسم. استمرار استيرادها للنفط الإيراني خلال الحرب ساهم في الحد من اختلال السوق. أي تعطيل لهذا المسار سيعيد فتح أزمة الطاقة على نطاق أوسع، وهو ما يفسّر تهديد ترامب بفرض رسوم عليها بنسبة 50% إذا قدّمت دعماً عسكرياً لإيران.
بهذا المعنى، لم يعد هرمز مجرد ساحة مواجهة مع طهران، بل نقطة تقاطع، وصدام، مع بكين أيضاً.
ضغط يتجاوز الخصوم
التصعيد لا يقتصر على إيران. خلال الحرب، لم تنخرط دول "الناتو" بالشكل الذي كانت تريده واشنطن في ملف المضيق. طرح الحصار يضع الحلفاء أمام خيار مباشر: المشاركة في المواجهة أو تحمّل تبعاتها السياسية والاقتصادية بالحد الأدنى.
هذا التحوّل يكشف أن هرمز لم يعد فقط أداة ضغط على الخصوم، بل أيضاً وسيلة لإعادة ضبط العلاقة مع الحلفاء، عبر فرض وقائع ميدانية يصعب تجاهلها.

تهديد مرتفع… وتنفيذ غير محسوم
يبقى السؤال: هل يتجه هذا التهديد نحو التنفيذ؟
سلوك ترامب يفرض التعامل مع هذا الاحتمال بحذر. هو يرفع السقف سريعاً، ويترك لنفسه هامش تعديل، وهو ما ظهر بوضوح في الانتقال، خلال تصريحين بفارق ساعة واحدة، من الحديث عن "خطوة فورية" إلى الإقرار بأن إغلاق المضيق "قد يحتاج إلى وقت".
كذلك، فإنّ مستوى التنسيق داخل المؤسسة الأميركية لا يبدو محسوماً بالكامل، وخصوصاً بين الخطاب السياسي الصادر عن البيت الأبيض والتقديرات العملانية للقيادة العسكرية. ففرض حصار بحري في مضيق مثل هرمز لا يقتصر على قرار سياسي، بل يتطلب انتشاراً بحرياً واسعاً، وقواعد اشتباك واضحة، واستعداداً لمواجهة سيناريوات معقّدة، من احتكاك مع الزوارق السريعة الإيرانية إلى اعتراض سفن تابعة لدول كبرى.
هذا النوع من العمليات لا يُحسم بالتصريحات، بل بتقديرات ميدانية دقيقة لكلفته وإمكانية السيطرة على تداعياته. وفي حال لم يكن هذا التوافق مكتملاً، يرتفع خطر الانتقال من استعراض قوة إلى احتكاك غير محسوب، خصوصاً في ممر يمرّ عبره جزء أساسي من تجارة الطاقة العالمية.
لغة تتقدّم… ومسار يتبدّل
تصريحات ترامب حيال "موت الحضارة الإيرانية بالكامل" ليست جديدة في حدّتها، لكنها تُطرح اليوم في سياق مختلف، بعد تعثّر المسار التفاوضي. هذا يجعلها أقرب إلى تعبير عن اتجاه مفتوح، لا مجرد أداة ضغط ظرفية.
إنّ تقاطع هذا الخطاب مع التحركات الميدانية، يضيّق الفارق بين التهديد والواقع. في هذه الحالة، لا تعود التصريحات مجرد رسائل، بل تدخل في حسابات الأطراف الأخرى كاحتمالات قائمة.
وعليه، لا تكمن المشكلة فقط في ارتفاع مستوى التصعيد، بل في تغيّر مساره. الانتقال من محاولة ضبط المضيق إلى التلويح بإغلاقه يعكس تحوّلاً في المقاربة نفسها.
هذا التحول يضع هرمز في موقع مختلف. من ورقة ضغط قابلة للإدارة إلى ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة. وفي مضيق بهذا الحجم، يكفي طرح خيار الإغلاق ليصبح التوازن أكثر هشاشة، حتى قبل اتخاذ أي خطوة فعلية.
50%
نسبة الرسوم التي هدد ترامب بفرضها على الصين إذا قدمت دعماً عسكرياً إلى إيران
نبض