روايتان في طهران عن محادثات إسلام آباد… فشل أم فرصة؟
انتهت 21 ساعة من المفاوضات بين الوفدين الإيراني والأميركي في إسلام آباد إلى نتيجة ضبابية. وبعد ساعات قليلة على انتهاء المحادثات، تبلورت في طهران روايتان متباينتان: الأولى ترى أن المفاوضات فشلت لعدم تحقيق نتائج ملموسة، فيما تعتبر الثانية أن مجرد انعقادها بهذا المستوى الرفيع، وبشكل مباشر، يشكّل إنجازاً بحد ذاته، قد يمهّد لاستمرار وقف إطلاق النار واستئناف الحوار.
رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف، الذي ترأس الوفد الإيراني، قال إن "الولايات المتحدة استوعبت منطقنا ومبادئنا، لكنها لم تستطع في هذه الجولة من المفاوضات أن تكسب ثقة الوفد الإيراني، وقد حان الوقت لتقرّر ما إذا كانت قادرة على كسب ثقتنا أم لا".
هذا الموقف يعكس أن المفاوضات لم تصل إلى فشل كامل، بقدر ما انتهت إلى عدم التوصل لاتفاق، وهي نتيجة بدت متوقعة في ظلّ حساسية الملفات المطروحة، والتي توزعت على سبعة محاور رئيسية:
- ضمان عدم تعرّض الولايات المتحدة مجدّداً لإيران
- عبور السفن من مضيق هرمز
- القضايا النووية
- القوى الحليفة لإيران في المنطقة
- الرفع الكامل للعقوبات
- الإفراج عن 27 مليار دولار من الأموال المجمّدة
- القدرات الصاروخية الإيرانية
وبحسب المعطيات، أخرجت طهران ملف قدراتها الصاروخية من جدول الأعمال، فيما أبدت واشنطن استعداداً لبحث رفع العقوبات والإفراج عن الأموال. لكنّ ثلاثة ملفات أساسية بقيت عالقة وشكّلت جوهر الخلاف.
ثلاث عقد… من هرمز إلى النووي
أولاً، مضيق هرمز: أصرّت إيران على حقّها في السيطرة على المضيق، في مقابل تمسّك الولايات المتحدة بحرية الملاحة غير المقيّدة.
ثانياً، الملف النووي: رفضت طهران تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصّب، وتمسّكت بدورة التخصيب، فيما طالبت واشنطن بوصول التخصيب إلى مستوى الصفر. وفي ما يتعلّق بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، كانت إيران قد عرضت سابقاً خفض مستوى تخصيبه، لكن الولايات المتحدة أصرّت على إخراجه بالكامل من البلاد.
ثالثاً، لبنان: لم يتم التوصل إلى تفاهم عمّا إذا كان وقف إطلاق النار يشمل الساحة اللبنانية. فقد أصرت طهران على وقف الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان، فيما شددت واشنطن على فصل هذا الملف عن المفاوضات وإيكاله إلى إسرائيل.
وأكّد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التفاهم تحقق في عدد من الملفات، لكنه أشار إلى أن الخلاف في بندين أساسيين حال دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

التفاوض تحت الضغط… وميدان متحرك
بالتزامن مع المفاوضات، شهد مضيق هرمز تحركات ميدانية متقابلة، إذ أعلنت إيران زرع ألغام في الجزء الجنوبي من المضيق، واشتراطها الحصول على إذن مسبق لعبور السفن، فيما أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عمليات لإزالة الألغام لضمان حرية الملاحة.
ورغم هذه الإجراءات، فضّلت معظم السفن التنسيق مع إيران لتفادي المخاطر، كما تحدّثت مصادر قريبة من الحرس الثوري عن محاولة سفينتين أميركيتين عبور المضيق من دون إذن، قبل أن يجري تهديدهما، من دون تنفيذ الهجوم، حرصاً على عدم إفشال المفاوضات.
موقف بارز
أبرز رد فعل سياسي صدر عن وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، الذي علّق على تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس، القائل إن الإيرانيين رفضوا الشروط الأميركية، بالقول: "على الولايات المتحدة أن تتعلم أنها لا تستطيع أن تُملي الشروط على إيران، ولا يزال الوقت متاحاً لتعلّم هذا الدرس".

ثلاثة سيناريوات… بين التهدئة والتصعيد
مع عودة الوفدين، دخلت القوات المسلحة الإيرانية حالة استنفار، ما يعكس بقاء احتمال استئناف الحرب قائماً. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة سيناريوات:
1- تمديد وقف إطلاق النار واستئناف التفاوض
وهو خيار يرتبط بقرارات قيادتي إيران والولايات المتحدة، وبجهود الوسطاء الإقليميين، وفي مقدّمهم باكستان والسعودية وقطر وتركيا ومصر. ويُعدّ هذا المسار الأقل كلفة، إذ يتيح تثبيت الهدنة الحالية والبناء عليها. وتشير بعض الأوساط في إيران إلى أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل استحقاقات داخلية بارزة، قد يفضّل تجنّب العودة إلى الحرب، وربما السعي إلى اتفاق أو حتى تمديد وقف العمليات العسكرية من دون تفاهم نهائي مكتمل.
2- استئناف الحرب
في هذا السيناريو، يُرجّح أن تكون المواجهة أكثر ضراوة واتساعاً، مع احتمال استهداف البنى التحتية في إيران، وتداعيات مباشرة على دول الخليج وإسرائيل. وتستند بعض التقديرات إلى أنّ الولايات المتحدة، بعد الكلفة العسكرية والسياسية للحرب، قد لا تقبل بإنهائها من دون تحقيق إنجاز ملموس، في وقت تعارض إسرائيل بدورها إنهاء المواجهة من دون تغيير في موازين القوى.
3- تعليق الحرب
أي إبقاء الوضع في حالة معلقة، مع استمرار وقف إطلاق النار شكلياً، مقابل توتر ميدانيّ دائم، خصوصاً في مضيق هرمز. ويُعدّ هذا السيناريو الأكثر هشاشة، إذ يبقي المنطقة في حالة ترقّب دائم، مع قابلية عالية لانفجار الوضع عند أيّ احتكاك عسكريّ أو تصعيد مفاجئ.
في المحصلة، ستحدّد القرارات التي ستتخذ في الأيام المقبلة، سواء في طهران أو واشنطن أو تل أبيب، إلى جانب التطورات في مضيق هرمز، أيّاً من هذه السيناريوات سيتحقق.
نبض