وقف النّار في إيران: غالبيّة مرتاحة… وأقليّة قلقة ومعترضة
قوبل الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بعد أربعين يوماً من حرب شاملة اندلعت فجر الثامن من آذار/مارس، بموجة واسعة من ردود الفعل الدولية، غلب عليها الطابع الإيجابي والمتفائل. غير أنّ هذا الإجماع الظاهر خارجياً لم ينعكس بالقدر نفسه داخل إيران، حيث بدا المشهد أكثر تعقيداً وتبايناً، مع تسجيل مواقف متحفظة وأخرى معترضة، إلى جانب حالة من الرضى النسبي لدى شريحة واسعة من المواطنين.
يرتبط الرضى النسبي لدى الرأي العام في إيران بالخشية من تعرّض البلاد لمزيد من الدمار وسقوط أعداد أكبر من الضحايا المدنيين. وقد تصاعدت هذه المخاوف في الأسبوع الأخير من الحرب، بعدما هدّدت الولايات المتحدة بقصف البنى التحتية الحيوية، ولا سيّما محطات إنتاج الكهرباء والطاقة، ومنحت إيران مهلة حتى فجر الأربعاء لفتح مضيق هرمز كشرط أساسي لتفادي الهجوم.
وخلال الأيام الماضية، عاش الإيرانيون قلقاً حقيقياً من احتمال تحوّل هذا التهديد إلى واقع، إلى درجة أنّ كثيرين منهم عمدوا إلى شراء الشموع والمصابيح اليدوية والمولدات الصغيرة والراديوهات، فضلاً عن تخزين المياه والمواد الغذائية، تحسّباً لأسوأ السيناريوات.
رضى حذر… وارتياح مشروط
مع أنّ الأوضاع الاقتصادية تبقى الهمّ الأول للإيرانيين، فإنّ شرائح واسعة كانت ترى استمرار الحرب مضراً بالاقتصاد، وتخشى بشدّة من تداعياتها، وتعتقد أنّ إنهاءها سريعاً يصبّ في مصلحة البلاد. وقد تابعت هذه الفئة طوال يوم الاثنين أخبار احتمال وقف إطلاق النار بقلق وجدية، لكن أيضاً بشيء من اليأس وعدم اليقين، قبل أن تُعلن الأنباء عند الساعة الثانية فجراً بتوقيت طهران عن التوصّل إلى وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين.
عندها سادت مشاعر ارتياح ملحوظة، لسببين رئيسيين: ابتعاد شبح الحرب، ولو موقتاً، بعد أربعين يوماً من القصف والتهديد؛ والأمل في أن تنجح المفاوضات المقرّر إجراؤها خلال هذين الأسبوعين، بوساطة باكستان، في التوصّل إلى وقف دائم لإطلاق النار، رغم استمرار الهواجس بشأن توقيت وطريقة تعويض الخسائر الكبيرة التي خلّفتها الحرب.
على هذا الأساس، بدت طهران وكأنها تستعيد شيئاً من حياتها الطبيعية؛ فقد فُتحت المحال التجارية، وعادت الحركة إلى الشوارع عودة ملحوظة، وإن لم ترجع المدينة بعد إلى حالها التي كانت عليها قبل الحرب، إذ إن أعداداً كبيرة من سكّانها غادروها إلى مدن أخرى، ولا سيّما الشمالية والساحلية، طلباً للأمان.
ووفق تقارير الشرطة، فإن الطرق المؤدية من شمال البلاد إلى طهران شهدت حركة كثيفة لعودة السكان، وسط توقّعات بأن تستعيد العاصمة، اعتباراً من السبت المقبل، وهو أول أيام الأسبوع العملي في إيران، زحمتها المعهودة بعد ستة أسابيع من الاضطراب.
في المقابل، يبدي كثيرون قلقاً من عدم صمود هذا الوقف الموقت لإطلاق النار، واحتمال تجدّد القتال بعد أسبوعين. وقد تعزّزت هذه المخاوف مع قيام إسرائيل بخرق وقف إطلاق النار عبر شنّ هجمات على جزيرتي لاوان وخارك، وردّ إيران بقصف أهداف في الإمارات والكويت، ما دفع شريحة من الناس إلى التشكيك في قدرة الاتفاق على الصمود حتى نهاية مدّته المحددة.

انقسام داخلي واضح
لم تكن ردود الفعل موحّدة داخل المجتمع الإيراني. فجزء من الرأي العام أبدى منذ اللحظة الأولى التي تسرّبت فيها أنباء وقف إطلاق النار موقفاً مغايراً، واعتبر هذه الخطوة متسرّعة وغير ملائمة.
هذه الفئة التي يتركّز معظمها في أوساط أنصار الجمهورية الإسلامية وتنشط على منصّات التواصل الاجتماعي، ترى أنّ إيران، بعد أربعين يوماً من الحرب، نجحت في فرض توازن ردع جديد على الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن قبول وقف إطلاق النار في هذه المرحلة يخدم الطرف المقابل أكثر ممّا يخدم طهران.
ومن هذا المنطلق، كان هؤلاء يفضّلون استمرار الحرب إلى أن تُرغم القوات الأميركية على مغادرة المنطقة بالكامل. ويندرج ضمن هذه الفئة أيضاً عدد من المواطنين الذين خرجوا خلال الأسابيع الماضية في تظاهرات دعم للنظام، وعبّروا بوضوح عن استيائهم من قرار وقف إطلاق النار.
كذلك، يبدي هذا التيار قلقاً من أن تستغل "الدول المعادية" فترة الأسبوعين لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة قدراتها، تمهيداً لتجديد الهجوم بعد انتهاء الهدنة.
رواية السلطة: تثبيت صورة "الانتصار"
ويسعى المسؤولون في الجمهورية الإسلامية، وهم على دراية بهذا الانقسام، إلى تقديم رواية لوقف إطلاق النار تُظهر إيران كطرف منتصر استطاع فرض شروطه.
ففي البيان الصادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي، جرى التأكيد أنّ محور المفاوضات المقبلة يتمحور بشأن إلزام واشنطن بعدد من المطالب، أبرزها:
- تنظيم المرور "المراقب" عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية
- إنهاء الحرب على كل مكوّنات "محور المقاومة" في لبنان والعراق واليمن
- انسحاب القوات القتالية الأميركية من جميع القواعد ونقاط الانتشار في المنطقة
- دفع تعويضات كاملة عن الأضرار التي لحقت بإيران
- رفع جميع العقوبات الاقتصادية وإلغاء القرارات الدولية المرتبطة بها
- الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج
- إقرار هذه البنود في قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي
من خلال طرح هذه المطالب القصوى، تسعى القيادة الإيرانية إلى استقطاب أوسع تأييد داخلي ممكن لقرار وقف إطلاق النار، ولا سيّما في صفوف القاعدة الشعبية المؤيدة للنظام، عبر تكريس فكرة أنّ قبول هذه الشروط سيعني تحقيق انتصار حاسم.
ويبقى العامل الأبرز القادر على التأثير في اتجاه الرأي العام هو موقف المرشد الجديد للجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي الذي لم يظهر علناً بعد، مع ترجيحات بأن يقوم، بعد تراجع المخاطر الأمنية المباشرة، بأول ظهور له أمام الجمهور.
الهدنة وتشييع المرشد الراحل
في مفارقة لافتة، حظي وقف إطلاق النار أيضاً بترحيب داخل الأوساط الموالية من زاوية مختلفة، تتمثّل في إتاحة فرصة لتشييع المرشد الراحل آية الله علي خامنئي ودفنه. فقد قُتل خامنئي في اليوم الأول من الحرب إثر قصف منزله ومقرّ عمله، ولم تُجرَ حتى الآن مراسم رسمية لوداعه، إذ تقرّر أن يُدفن في مسقط رأسه مشهد، في مرقد الإمام علي بن موسى الرضا.
نبض