هدنة إيران – أميركا: لماذا توقّفت الحرب الآن؟
أعاد إعلان وقف القتال بين الولايات المتحدة وإيران خلط الأوراق، فاتحاً الباب أمام تساؤلات حيال الدوافع الفعلية التي أدت إلى هذا القرار في هذا التوقيت. وبين الضغوط العسكرية والاقتصادية والحسابات السياسية، تبدو التهدئة نتاج توازنات معقدة أكثر منها تحولاً حاسماً في مسار الصراع.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأربعاء، موافقته على تعليق القصف والعمليات العسكرية ضد إيران لمدة أسبوعين، في خطوة وصفها بأنها تمهيد لوقف إطلاق نار متبادل، وربطها بشرط أساسي يتمثل في فتح مضيق هرمز بشكل كامل وفوري وآمن.
في المقابل، أعلنت إيران تحقيق "انتصار كبير" و"إجبار الولايات المتحدة على القبول بخطة من عشر نقاط"، وفق بيان صادر عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
هدنة تحت الاختبار
يقول كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط في واشنطن الدكتور بول سالم لـ"النهار" إن "هذه هدنة موقتة لأسبوعين، ومن المبكر استخلاص استنتاجات حاسمة منها"، لافتاً إلى أنها "تشكل محطة تمهيدية للدخول في مفاوضات، وهذه المفاوضات وحدها ستعطي صورة أوضح: إما أن تنجح وتؤدي إلى تسوية، أو أن تتعثر فتُستأنف الحرب".
ويضيف أن "توقف القتال يعود إلى جملة عوامل، أبرزها أن الأطراف الثلاثة تستطيع، بدرجات متفاوتة، الادعاء بتحقيق مكاسب سياسية. فالولايات المتحدة، بقيادة ترامب، يمكنها القول إنها نفذت ضربات واسعة وألحقت خسائر بقدرات إيران، في المقابل، لم تتحقق الأهداف الأساسية للحرب: لا حلّ للبرنامج النووي أو المخزون النووي، ولا إنهاء للقدرات الصاروخية. كما أن فتح مضيق هرمز جاء بقرار إيراني أكثر منه نتيجة فرض أميركي، ما يحدّ من إمكانية إعلان نصر واضح".
ضغط أميركي… واستجابة إيرانية
من جهته، يرى السفير العراقي الأسبق في باريس وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور غازي فيصل لـ"النهار" أن "وقف الحرب يعكس، إلى حد كبير، خضوع إيران للتهديد الأميركي واسع النطاق، ولا سيما مع التلويح بتدمير بنيتها التحتية وربما توجيه ضربات بأسلحة نوعية ومفاجئة".
ويضيف أن "قبول طهران بوقف النار جاء بعد موافقتها على شروط أميركية، مع بقاء هذه الشروط قابلة للتفاوض بين الطرفين".
ويشير فيصل إلى أن ترامب "لا يستطيع خوض حرب مفتوحة بلا أفق"، معتبراً أنه يرى في هذه المرحلة أنه "حقق أهدافه عبر إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية".
ويلفت إلى أن مؤشرات التفاوض الجدي تبدو واضحة من خلال حضور "شخصيات إيرانية بارزة إلى جانب نائب الرئيس الأميركي"، ما يعكس توجهاً فعلياً نحو المسار الديبلوماسي. وبحسب فيصل "يبرز عامل مضيق هرمز كأحد الدوافع الأساسية لوقف إطلاق النار، نظراً لتأثير أي اضطراب فيه على صادرات الطاقة والتجارة العالمية، وانعكاس ذلك على أوروبا والولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق بارتفاع أسعار النفط والسلع، وما قد يحمله ذلك من تداعيات سياسية داخلية على إدارة ترامب، قد تصب في مصلحة الديموقراطيين انتخابياً".

هدنة هشة… وتقاطع مصالح
بدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدكتور إياد سكرية، في حديث مع "النهار"، أن الهدنة بين الطرفين "هشة"، ويعزو ذلك إلى طبيعة التفاهمات التي لم ترقَ إلى مستوى تسوية نهائية، بل جاءت نتيجة ضغوط متبادلة وتهديدات غير مسبوقة، أبرزها تلويح ترامب بإلحاق دمار واسع بـ"حضارة إيران" يصل إلى حد "إعادتها إلى العصر الحجري".
ويشير سكرية إلى أن "طهران تعاملت مع هذا التصعيد ببراغماتية، مستفيدة من نصائح حلفائها، ولا سيما الصين وروسيا، إلى جانب وساطة باكستانية نجحت في تقريب وجهات النظر".
في المقابل، لم يكن خيار الحرب الشاملة مريحاً لواشنطن أيضاً، نظراً إلى كلفته المرتفعة، سواء عبر استهداف المنشآت النفطية أو تهديد طرق الملاحة الحيوية، وفي مقدمها مضيق هرمز.
ويضيف سكرية أن "أحد العوامل الحاسمة كان إدراك الطرفين حجم التداعيات الاقتصادية، إذ إن أي تصعيد كان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والسلع عالمياً، مع انعكاسات مباشرة على أوروبا والولايات المتحدة. كما لعبت الحسابات الداخلية الأميركية دوراً، خصوصاً مع المخاوف من تراجع شعبية الرئيس في حال تفاقم الخسائر أو وقوع جنود أميركيين في الأسر".
استراحة محارب؟
يرى سكرية أن ما تحقق هو تقاطع مصالح مرحلي فرض التهدئة، لا تحولاً استراتيجياً نحو السلام. فالقضايا الجوهرية "لا تزال عالقة"، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني، وتخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية، إضافة إلى دور حلفاء طهران في المنطقة.
ويخلص إلى أن هذه الهدنة قد لا تكون سوى "استراحة محارب"، مرجحاً صعوبة تحولها إلى وقف دائم للحرب، في ظل تمسك كل طرف بشروطه الأساسية واستمرار انعدام الثقة، ما يبقي احتمالات التصعيد قائمة في المرحلة المقبلة.
نبض