بين "اتفاق الاثنين" و"جحيم الثلاثاء": ترامب يناور أم يتراجع؟
في أقل من ساعتين، قدّم دونالد ترامب صورتين متناقضتين للحظة نفسها. في منشور على "تروث سوشال"، رفع الرئيس الأميركي سقف التهديد إلى حد غير مسبوق، متوعداً بأن يكون الثلاثاء "يوم تدمير الجسور ومحطات الكهرباء" في إيران، داعياً إياها بلهجة هجومية، مستخدماً كلمة بذيئة، إلى فتح مضيق هرمز "وإلا ستعيش في الجحيم".
لكن بعد ذلك بقليل، وفي تصريح لـ"فوكس نيوز"، بدا المشهد مختلفاً تماماً: "أعتقد أننا سنتمكن من التوصل إلى اتفاق مع إيران بحلول الغد (الأثنين)"، قال ترامب، قبل أن يعود ويضيف: "وإذا لم يحدث ذلك فسنضرب كل شيء"، علماً أن الغد يوافق نهاية مهلة العشرة أيام التي سبق أن أعلنها وذكّر قبل يومين بأن الباقي منها 48 ساعة.
بين هذين التصريحين، لا يظهر فقط تناقض في النبرة، بل نموذج كامل لطريقة إدارة هذه الحرب: تصعيد لفظي إلى الحد الأقصى، يليه فتح باب تفاوضي سريع، تراجع ومنح مهل زمنية، ثم العودة إلى التهديد.
رفع تكلفة الردّ الإيراني
هذا التذبذب ليس تفصيلاً، بل يعكس مقاربة تقوم على استخدام التهديد كأداة بحد ذاتها، لا كتمهيد حتمي لعمل عسكري. فحين يتحدث ترامب عن "تفجير كل شيء" أو "السيطرة على النفط في إيران"، لا يقدّم بالضرورة خطة تنفيذية، بل يرفع تكلفة الرفض الإيراني إلى مستوى يصعب تجاهله.
لكن هذه المقاربة تحمل في الوقت نفسه مخاطرها. فالإفراط في التصعيد اللفظي، خصوصاً عندما يترافق مع تناقضات واضحة، قد يفقد التهديد جزءاً من صدقيته. في المقابل، فإن ترك الباب مفتوحاً أمام اتفاق في اليوم التالي يضعف منطق التصعيد نفسه، ويطرح سؤالاً أساسياً: هل الهدف فعلاً هو الحرب، أم فرض شروط تفاوضية تحت ضغط عالٍ؟
في هذا السياق، يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر نفطي. إنه ورقة ضغط مركزية في لعبة الرسائل المتبادلة. فتحه أو إبقاؤه مغلقاً لم يعد مسألة تقنية، بل مؤشر إلى من يملك القدرة على فرض الإيقاع في هذه المواجهة.

الأسواق المضطربة تترقب
المفارقة أن هذا الخطاب المتقلّب يأتي في لحظة حساسة، فلا الأسواق ولا الجبهات تحتمل مزيداً من الضبابية. كل تهديد برفع مستوى الضربات ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، وكل تلميح إلى اتفاق يعيد خفض توتر الأسواق، ولو موقتاً.
في المحصلة، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان دونالد ترامب سينفذ تهديداته، بل إلى أي حد يمكن أن يواصل اللعب على هذا التناقض من دون أن يفقد السيطرة عليه. بين تصعيد يصل إلى حد "فتح باب الجحيم" وحديث عن اتفاق خلال ساعات، لا تتشكل سياسة بقدر ما يتشكل إيقاع متقلّب يصعب ضبطه.
وفي لحظة كهذه، لا تكمن الخطورة فقط في احتمال تنفيذ التهديد، بل في أن يصبح التراجع عنه مكلفاً سياسياً، والتنفيذ باهظ التكلفة عسكرياً واقتصادياً. عندها، قد لا تكون المشكلة في ما يقوله ترامب، بل في أن ما يقوله قد يفرض نفسه في النهاية كخيار لا يمكن التراجع عنه.
نبض