"إعادة إيران إلى العصر الحجري"... ماذا يعني دونالد ترامب؟
ليست عبارة "إعادة إيران إلى العصر الحجري" مجرّد توصيف انفعالي في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل تختصر مقاربة متكاملة تقوم على مبدأ واحد: رفع كلفة المواجهة إلى الحد الأقصى، بحيث يصبح الخيار أمام طهران محصوراً بين التراجع أو مواجهة تهديد وجودي يطال بنية الدولة نفسها.
اللغة كأداة ردع
في هذا السياق، تتحوّل اللغة إلى أداة ردع بحد ذاتها. فالتعبير لا يشير إلى تدمير عسكري تقليدي، بل إلى استهداف مقوّمات الدولة الحديثة: الكهرباء، الطاقة، الاتصالات، المرافئ، والمرافق الصناعية. دولة تُحرم من هذه العناصر لا تخسر فقط قدرتها على القتال، بل تفقد قدرتها على العمل ككيان إداري واقتصادي واجتماعي. الهدف هنا ليس احتلال الأرض، بل شلّ الدولة من الداخل وإخراجها من دائرة الفعل.
أدوات متعددة... هدف واحد
عملياً، تقوم هذه الاستراتيجية على تداخل أدوات متعددة. أولاها الضربات العسكرية المكثفة التي تستهدف مراكز الثقل، من قواعد جوية ومنصات صواريخ ومنشآت طاقة، بهدف إحداث صدمة استراتيجية سريعة تعطل القدرة على القتال والإدارة في وقت قياسي. وثانيتها الحرب الاقتصادية القصوى، عبر خنق الموارد المالية، ولا سيما من خلال تقليص صادرات النفط وفرض عقوبات على كل من يتعامل مع إيران. أما ثالثتها فهي البعد السيبراني، إذ تلعب الهجمات الرقمية دوراً متقدماً في تعطيل شبكات القيادة والسيطرة والقطاع المصرفي والبنية الاتصالية، في ما يشبه حرباً غير مرئية لكنها شديدة التأثير.
الطاقة في صلب الاستهداف
يتجلّى جوهر هذه المقاربة في استهداف البنية التحتية الحيوية، وعلى رأسها قطاع الطاقة. إذ تبرز محطات توليد الكهرباء، بما فيها المرتبطة بالطاقة النووية والغاز، كأهداف أولى في مدن مثل أصفهان وخرمشهر. ضرب هذا القطاع لا يعني فقط انقطاع التيار، بل يؤدي إلى انهيار متسلسل يشل الاقتصاد بأكمله، نظراً إلى أن الكهرباء تمثل العمود الفقري لكل وظائف الدولة الحديثة، كما أظهرت التجربة الأخيرة في طهران.
النفط والغاز... خنق اقتصادي كامل
في موازاة ذلك، يُطرح قطاع النفط والغاز كهدف مباشر. فرغم وصفه سابقاً بأنه "الهدف الأسهل"، تطوّرت التهديدات إلى حد الحديث عن "محو" هذا القطاع بالكامل. ويشمل ذلك مواقع حيوية مثل جزيرة خرج، التي تشكل الشريان الأساسي لإيرادات النفط، وحقل بارس الجنوبي، أحد أكبر حقول الغاز في العالم، إضافة إلى البنية التحتية للتوزيع ومحطات الوقود. استهداف هذه المنظومة يعني خنق الاقتصاد الإيراني ومنع أي قدرة على التعافي أو إعادة الإعمار.

"الحرب على المجتمع"
الأخطر في هذه المقاربة هو توسيع بنك الأهداف ليشمل الحياة اليومية للسكان، من مطارات وجسور ومراكز حضرية وصناعية. وقد ظهرت مؤشرات على هذا التوجه من خلال استهداف مواقع مدنية، ما يعكس انتقالاً من "الردع العسكري" إلى ما يمكن وصفه بـ"الحرب على المجتمع".
من الاحتواء إلى الحسم
ترتبط دوافع هذه الاستراتيجية مباشرة برؤية دونالد ترامب للأمن القومي الأميركي. الهدف الأول هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي نهائياً. الهدف الثاني تفكيك قدراتها الصاروخية وشبكة نفوذها الإقليمي. أما الهدف الثالث فهو فرض تغيير جذري في سلوك النظام، عبر "ضغط أقصى" يدفعه إما إلى القبول بشروط جديدة أو مواجهة الانهيار. وفي العمق، تعكس هذه المقاربة انتقالاً من سياسة "الاحتواء" إلى سياسة "الحسم".
غير أن هذا النهج يطرح إشكاليات قانونية وأخلاقية عميقة. فبحسب قواعد القانون الدولي الإنساني، يُعتبر استهداف بنى تُعد من "الأمور التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين" انتهاكاً جسيماً. وهنا، تتحوّل الاستراتيجية من أداة ردع إلى موضع جدل دولي واسع حول حدود استخدام القوة.
سؤال ما بعد الضربة
في المحصلة، عبارة "إعادة إيران إلى العصر الحجري" ليست مجرّد تهديد بلاغي، بل تعبير مكثف عن تصوّر يقوم على تفكيك شروط الدولة الحديثة لإجبارها على التغيير. لكنها، في الوقت نفسه، تفتح الباب أمام سؤال أكثر تعقيداً: إذا نجحت هذه المقاربة في إسقاط قدرة الدولة، فمن يضبط الفوضى التي قد تنشأ بعدها؟ وهل يمكن للقوة، مهما بلغت، أن تعيد تشكيل دولة من دون أن تطلق ديناميات انهيار تتجاوز السيطرة؟
نبض