سنقاتل دفاعاً عن إسرائيل... أوغندا تكسر الصمت الأفريقي في حرب إيران
بينما تبقى القارة الأفريقية، في الوقت الراهن، بمنأى عن الأزمة التي تتصاعد وتيرتها يوماً بعد يوم بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، برز صوتٌ كسر هذا الموقف الحذر عبر تصريحاتٍ لافتةٍ.
إنه قائد الجيش الأوغندي موهوزي كاينيروغابا، الذي أدلى بتصريحات مثيرة، تعكس تشابكاً عميقاً من التاريخ والدين والسياسة التي يندر أن يلتفت إليها أحد حين يُحلَّل الصراع الحالي.
ابن الرئيس يويري موسيفيني، الذي يحكم البلاد منذ عام 1986، أعلن دعمه لإسرائيل، قائلاً على منصة "إكس" إن بلاده قد تدخل في حرب ضد إيران "إلى جانب إسرائيل"، بل أعلن بكل ثقة أن لواءً واحداً من جيشه كفيل بـ"الاستيلاء على طهران في أسبوعين".
تصريحات صادمة… واستعراض قوة
قائد الجيش، على الرغم من أنه معروف برسائله غير المألوفة على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس شخصاً عابراً، فهو الوارث المرتقب لسلطة أبيه المديدة.
قبل أعوام، أثار الضابط الأوغندي، الذي لا تعكس تصريحاته بالضرورة السياسة الرسمية لبلاده، أزمةً بين كمبالا ونيروبي عندما هدّد كينيا بالمصير ذاته في "أسبوعين"، واليوم يوجّه مدفعيته الكلامية نحو طهران، مُسخِّراً إياها في خدمة الرواية الإسرائيلية.
لكن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل هذه التصريحات جدية، أم أنها مجرد استعراض لشخصية تعشق الأضواء؟ ولماذا يخرج هذا القائد الأوغندي منفرداً كاسراً الموقف الأفريقي؟
الإجابة تكمن في قراءة السياق، لا في الانجراف مع الخطاب الحماسي.
جذور العلاقة
الصلة بين أوغندا وإسرائيل أعمق مما يبدو، فمنذ استيلاء موسيفيني على الحكم، شهدت العلاقة بين البلدين دفئاً ملحوظاً في ظل تعاون شامل في المجالات الأمنية والزراعية والاقتصادية.
بل إن التاريخ يذهب أبعد من ذلك: في عام 1903، عرضت بريطانيا على الحركة الصهيونية هضبةً في شرق أفريقيا كوطن موقت لليهود، قبل أن يُرفض المشروع ويُختار طريق فلسطين. لاحقاً، خُلِّد الرابط الدموي حين قُتل يوناتان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، أثناء عملية عنتيبي الشهيرة عام 1976. هذه الخيوط تنسج علاقةً لها جذور، وإن كانت متذبذبة.

دوافع أيديولوجية
لكن ما يجعل تصريحات كاينيروغابا أكثر من مجرد ضجيج هو الدوافع الأيديولوجية التي تغذيها. فالجنرال يرى في دعم إسرائيل واجباً دينياً صريحاً، مستنداً إلى الإنجيلية التي يتبناها، والتي تعتبر إسناد الدولة اليهودية شرطاً لاهوتياً للخلاص وعودة المسيح. وهو في هذا لا يُمثّل نفسه وحده، بل يُجسّد توجهاً واسعاً لدى ربع الأوغنديين وملايين آخرين في القارة وأميركا، حيث تتداخل السياسة والعقيدة تداخلاً لا فكاك منه.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
ليست الخطورة في أن الجنرال الأوغندي سيزحف فعلاً نحو طهران، فهذا يُعدّ أمراً مستحيلاً إن لم يكن ضرباً من الخيال العسكري. لكن الخطورة تكمن في أن مسؤولاً رفيعاً، في بلدٍ يربطه تاريخٌ مع إيران أيضاً، يُقحم نفسه وبلده في صراع دولي بالغ التعقيد، متجاوزاً الأعراف الديبلوماسية.
وتكمن الخطورة كذلك في أن هذا الخطاب يُطبّع الانزلاق نحو حروب بالوكالة ويُشرعنها بلغة الإيمان والنصرة، ما يجعل أي تراجع عنه ضرباً من الجبن الديني.
والمفارقة أن الرئيس موسيفيني نفسه، الذي ربط بلاده بإسرائيل، حرص في الوقت ذاته على إقامة علاقات مع طهران وزيارتها، كما استقبل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي عام 2023 في كمبالا.
السياسة الرسمية أكثر تعقيداً مما تعكسه تغريدات الابن الطائش.
في نهاية المطاف، ما يكشفه هذا المشهد ليس قوة أوغندا ولا ضعفها، بل كيف يمكن لشخص واحد، بتغريدة واحدة، أن يُعيد رسم خريطة التصورات، وإن ظلّت الخريطة الحقيقية كما هي. الجنرال الذي يعد بأسبوعين للاستيلاء على طهران لن ينفّذ وعيده، لكنه أشعل جدلاً يُذكّر العالم أن الشرق الأوسط لا تحترق فيه الأعواد وحدها، بل تحترق معها الكلمات أيضاً.
نبض