الجمهورية الإسلامية الثالثة… إيران تتجه نحو نموذج أكثر عسكرة
رغم حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكان ظهور نظامٍ إيراني "أقلّ تشدداً" في مرحلة ما بعد الحرب، تكشف الوقائع على الأرض مساراً معاكساً تماماً. فبدلاً من الانفتاح، تتجه طهران نحو إعادة تشكيل نظامها في اتجاهٍ أكثر صلابةً وعسكرة، مستفيدةً من الحرب لتكريس هيمنة المؤسسة الأمنية والعسكرية على القرار.
هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني لا يعكس مجرد اختلافٍ في التقدير، بل يكشف مساراً فعلياً يتبلور منذ مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، إذ لم تتجه إيران نحو الانهيار، كما توقع بعض التقديرات، بل نحو إعادة تنظيم نفسها بسرعة، والدفع بقياداتٍ جديدة إلى الواجهة، وفي مقدمها مجتبى خامنئي.
في هذا السياق، تتكرّس ملامح مرحلةٍ جديدة داخل النظام، يمكن وصفها بـ"الجمهورية الإسلامية الثالثة"، التي لا تولد من نهاية الحرب، بل من صميمها، وفي ظل تصعيدٍ يُستخدم لإعادة رسم بنية السلطة وتوازناتها.
من الصدمة إلى إعادة التشكيل
رغم الخسائر الكبيرة، تراهن إيران على قدرتها التقليدية في امتصاص الصدمات وتحويل الأزمات إلى فرص. ففي خضمّ القصف، أعادت ترتيب صفوفها بسرعة، ودفعت بمجتبى خامنئي إلى الواجهة، في خطوةٍ تعكس انتقالاً منظماً للسلطة أكثر منه ارتباكاً.
بالتوازي، لجأت إلى التصعيد غير المتكافئ، مستهدفةً القواعد الأميركية والبنية التحتية الإقليمية، وصولاً إلى خنق الملاحة في مضيق هرمز، الورقة الأشد تأثيراً في يدها.
هذا السلوك لا يقتصر على رد فعلٍ تكتيكي فحسب، بل يندرج ضمن مسارٍ أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل النظام نفسه.
كانت الجمهورية الأولى، بقيادة روح الله الخميني، تجربةً ثورية سعت إلى فرض الحكم الديني في الداخل. وأطلق حكم علي خامنئي الجمهورية الثانية، التي أضفت الطابع المؤسسي على هيمنة منصب المرشد الأعلى وعزّزت السلطة العسكرية. ومن خلال صعود مجتبى، يسعى النظام إلى إقامة "الجمهورية الثالثة": دولة أكثر عسكرة، حيث يتحكم الحرس الثوري والجهاز الأمني في شكلٍ راسخ بصنع القرار، بحسب مجلة "فورين أفيرز".
الحرب كأداة حكم… لا مجرد مواجهة
لم تفاجأ طهران بالحرب، إذ توقعت جولة تصعيدٍ بعد حرب عام 2025، فجاء ردّها تدريجياً: من أهدافٍ إقليمية إلى البنية الاقتصادية، وصولاً إلى مضيق هرمز. عكست استراتيجيتها جاهزيةً ومرونة لامركزية، بينما أخفقت التقديرات الأميركية–الإسرائيلية في توقع انهيارٍ سريع، لتفرض إيران ضغطاً مباشراً على الاقتصاد الدولي.
ولم يكن الهدف مجرد ردّ عسكري، بل محاولة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية. إذ تسعى طهران إلى استثمار الأزمة لفرض معادلاتٍ جديدة تكرّس نفوذها وتفرض شروطها. ورغم الضربات القاسية خلال العامين الأخيرين، لا يتعامل النظام مع المرحلة باعتبارها انحداراً، بل كفرصة لإعادة تثبيت سلطته. وكما في تجربة الحرب مع العراق، يجري توظيف الصراع لتوحيد الداخل وقمع المعارضة تحت شعار "الدفاع عن الوطن".
في هذا السياق، تبدو الحرب أداةً مركزية في مسار "الجمهورية الثالثة"، إذ تُستخدم لتبرير تشديد القبضة الأمنية وفرض واقعٍ أقرب إلى الحكم العسكري، مع تعبئة خطابٍ وطني متشدد. وقد عززت السلطات أدواتها القمعية، من الرقابة الرقمية إلى الترهيب المباشر، لمنع أي عودةٍ للاحتجاجات.

الخلافة… من عقدة إلى أداة تثبيت
ساهمت الحرب، كذلك، في تذليل عقدة الخلافة التي كانت تبدو معقّدة. في الظروف العادية، كان طرح إبن المرشد الراحل، مجتبى، سيُثير الجدل، حتى داخل الدائرة الضيقة، خشية تكريس صورة الحكم الوراثي. غير أن لحظة الخطر قلبت المعادلة.
فقد شكّل اختيار مجتبى مرشداً ثالثاً خياراً توافقياً للنواة الصلبة للنظام، بسبب إرث والده وشبكة نفوذٍ ممتدة داخل الحرس الثوري. بل إن إصابته في الضربات الأولى عزّزت رمزيته، على غرار التجربة التي كرّست والده سابقاً، ما أضفى عليه بعداً تعبوياً يتجاوز حضوره العلني المحدود.
تشدد متصاعد… ومخاطر مرافقة
في هذا السياق، يرى الدكتور نبيل الخوري أن ترسّخ مسار عدم انهيار النظام الإيراني في سياق الحرب سيقود، على الأرجح، إلى نتائجٍ عكسية تتمثل في مزيدٍ من التشدد والعسكرة وهيمنة النخب الأمنية داخل الحرس الثوري على مفاصل القرار.
ويوضح أن صانعي القرار في طهران قد يبنون سياسات ما بعد الحرب على سرديةٍ متعددة الأبعاد: "رفض الإذلال ورفض أي إملاءاتٍ أميركية، تعزيز خطاب القوة والردع، توظيف الصمود لتعزيز الشرعية الداخلية، وتفعيل العلاقات مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا".
ويرى أن النظام، رغم خروجه أضعف إجمالاً من الحرب، قد يصبح في المقابل "أكثر تشدداً وخطورة في سلوكه الداخلي والخارجي". كما يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في إعادة الإعمار وإعادة هيكلة الاقتصاد.
صمود مكلف… واستقرار هش
وعليه، تتجه السلطة في إيران نحو مزيدٍ من التصلّب، مع ترجيح كفّة الحلقة العسكرية التي راكمت نفوذاً سياسياً واقتصادياً مدى عقود. وفي ظلّ بيئةٍ متشددة، يتراجع دور الواجهات السياسية إلى حدودٍ شكلية.
لكن هذا المسار ينطوي على مخاطر معاكسة. فإذا نجحت إيران في الصمود خلال الحرب، قد تميل إلى المبالغة في تقدير قوتها، وهو ما قد يقود إلى أخطاءٍ استراتيجية مكلفة.
هكذا، قد تنجح إيران في تجاوز الحرب، لكنها تخاطر بخسارة ما بعدها. ففاتورة الدمار، والتوترات الداخلية، وبيئة إقليمية أكثر عداءً، كلها عوامل قد تجعل أي "انتصار" مكلفاً إلى حدّ زرع بذور أزمةٍ أعمق تهدد استقرار النظام على المدى البعيد.
نبض