مسار الحرب يُغيّر نظرة إيرانيين في الداخل إلى أهدافها
بعيداً من ضجيج التصريحات السياسية والعسكرية، يتشكّل في الداخل الإيراني مسار موازٍ قد يكون الأكثر تأثيراً في مآلات الحرب الأميركية–الإسرائيلية. فمع انقطاع الإنترنت وغياب صوت الشارع عن التداول العالمي، لا تنعكس مواقف الإيرانيين على نحوٍ واضح، رغم أن تجارب الحروب تُظهر أن الكلمة الفصل لا تكون بالضرورة للسياسيين أو الجنرالات، بل للمجتمعات التي تتحمّل تكلفتها.
وبعد مرور شهرٍ على اندلاع الحرب، ووفق تقارير رسمية، تعرّض نحو 11 ألف موقع داخل إيران للقصف أو الاستهداف خلال هذه الفترة، بمعدّل يقارب 367 موقعاً يومياً، أي نحو 15 هدفاً في الساعة. وفي موازاة ذلك، أفادت وزارة الصحة الإيرانية بأن 17 طفلاً دون سن الخامسة قُتلوا خلال الشهر الأول، فيما أُصيب 1731 شخصاً دون الـ18 عاماً، وبلغ عدد القتلى من هذه الفئة 214، إضافة إلى 244 امرأة. وتعكس هذه الأرقام أن الاستهداف لم يقتصر على القيادات أو المنشآت العسكرية فحسب، بل طاول المدنيين، وفي مقدّمهم الأطفال والنساء.
صورة ناقصة… وواقع أشد قسوة
أدّى انقطاع الإنترنت، المستمر منذ شهر، إلى تعذّر نقل جزءٍ كبيرٍ من معاناة الإيرانيين، خصوصاً في محافظات طهران وأصفهان وهرمزغان التي شهدت أعنف الضربات. وما يصل إلى الخارج يظل محصوراً بالتقارير الرسمية، التي لا تعكس سوى جزءٍ من الواقع.
ومع تصاعد العمليات العسكرية، ازدادت وطأة هذا الواقع. ففي الأيام الأخيرة، كثّفت إسرائيل هجماتها، وخصوصاً على طهران، حيث حلّقت نحو 60 طائرة في أجوائها مساء الخميس، وسمع دويّها في مختلف أنحاء المدينة التي يقطنها نحو 15 مليون شخص. وبالتزامن مع المهلة الأميركية البالغة 10 أيام لدراسة مقترح وقف النار، ارتفعت كثافة الضربات، ما ولّد حالةً واسعةً من القلق والذعر بين السكان.
تحوّل في المزاج العام
في هذا السياق، بدأت ملامح تحوّلٍ واضحٍ في نظرة الإيرانيين إلى الحرب، وهو تحوّل يسير بعكس الأهداف المعلنة من الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد أعلن كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن هدف الحرب يتمثل في دعم الشعب الإيراني في مواجهة سياسات الجمهورية الإسلامية، وخصوصاً ما يتصل بقمع الاحتجاجات، وهو طرح لقي قبولاً لدى بعض المعارضين في بدايات الحرب.
لكن مع استمرار العمليات وارتفاع الخسائر المدنية، وتأثيرها المباشر على حياة الناس ومعيشتهم، بدأت الشكوك تتزايد حيال الأهداف الحقيقية. وتعزّز هذا الاتجاه مع التهديدات الأميركية باستهداف البنية التحتية، ومع الهجوم الإسرائيلي على مجمّع "فولاد مباركه" في أصفهان.
بناءً على ذلك، لم يعد حتى بعض الداعين إلى تغيير النظام يرون أفقاً لتحقيق هذا الهدف، بل باتوا يشعرون بتحديد أمنهم وحياتهم. ويرى هؤلاء أن الحرب كانت تُعتبر "مشروعةً" طالما استهدفت النظام، لكنها تحوّلت إلى حربٍ شاملةٍ تطاول إيران كدولةٍ وشعب، ما أفقدها مشروعيتها في نظرهم، ودفع إلى المطالبة بإنهائها سريعاً.

تباين بشأن حدود التصعيد
وتزامن هذا التحوّل مع حملةٍ دعائيةٍ حكوميةٍ تؤكد امتلاك القوات المسلحة الإيرانية زمام المبادرة، وتدعو أنصار النظام إلى النزول ليلاً إلى الشوارع دعماً للحكومة، وتمكينها من توجيه ضرباتٍ أشدّ إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، والانتقام لمقتل قائد الثورة.
ورغم تأييد شريحةٍ واسعة من الإيرانيين للإجراءات الدفاعية المرتبطة بحماية وحدة الأراضي، فإن جزءاً من المجتمع يعارض النهج الهجومي الذي قد يوسّع رقعة الحرب، بما في ذلك احتمال اندلاع مواجهاتٍ بريةٍ في جزر الخليج.
ويعتبر كثيرون أن أي هجوم على هذه الجزر يُعدّ مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية، وقد يؤدي إلى توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة المهاجمين. وفي هذا السياق، برزت دعوات الى تجنيد متطوعين للدفاع عن الجزر، إلى جانب تأييد فكرة فرض رسومٍ على مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، بما قد يوفّر عائدات لإيران تُقدّر بنحو 20 مليار دولار سنوياً.
خلاصة المشهد
بناء على ذلك، يشير هذا المسار إلى أن استمرار الحرب في شهرها الثاني، مع تزايد الخسائر البشرية والمادية، قد يدفع شرائح أوسع من المجتمع إلى الالتفاف حول الحكومة، ما من شأنه تقويض الأهداف الأولية للولايات المتحدة وإسرائيل. وفي حال التوصل إلى وقف نار، أياً تكن شروطه، يُرجّح أن تسعى الجمهورية الإسلامية إلى تقديم نفسها بصفتها الطرف المنتصر في هذه المواجهة.
نبض