النقاط الـ15 الأميركية… عرض افتتاحي متشدّد للقبول بالحد الأدنى؟
في اللحظة التي بدأ فيها الحديث عن مقترح أميركي من 15 نقطة نُقل إلى طهران عبر وسطاء، لم يكن السؤال الحقيقي ماذا تريد واشنطن من إيران، بل ما إذا كانت الإدارة الأميركية تطرح بالفعل صيغة قابلة للحياة، أم أنها ترفع السقف إلى الحد الأقصى تمهيداً للهبوط لاحقاً نحو تسوية أقل طموحاً وأكثر واقعية. فالمعطيات المتوافرة عن الخطوط العامة للمقترح الأميركي تُظهر أنه لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يلامس جوهر موقع إيران الاستراتيجي: برنامجها النووي، وصواريخها، وعلاقتها بحلفائها الإقليميين، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، في مقابل رفع العقوبات وفتح باب التعاون في المجال النووي المدني تحت رقابة دولية.
إعادة تعريف الدور الإيراني
المشكلة أن هذه البنود، حتى في صيغتها العامة المتداولة، لا تبدو بالنسبة إلى طهران "خريطة خروج من الحرب"، بل أقرب إلى محاولة انتزاع أثمان استراتيجية منها تحت النار. فحين تطلب واشنطن عملياً تقييد البرنامج النووي، وضبط البرنامج الصاروخي، وتقليص دعم الحلفاء، وضمان انسياب الملاحة في هرمز، فهي لا تفاوض فقط على وقف النار، بل على إعادة تعريف أدوات الردع الإيرانية نفسها. هنا تكمن العقدة الأساسية: ما تعتبره واشنطن شروطاً لازمة لإنهاء الحرب، تنظر إليه إيران كصيغة استسلام سياسي–أمني مؤجل. لذلك يصعب تصور قبول إيراني مباشر بمثل هذا السقف، لا سيما بعدما رفعت طهران بدورها سقفها المقابل، سواء في ما يتصل بالضمانات ضد تجدّد الضربات، أو رفض إدراج برنامجها الصاروخي في أي تفاوض، أو ربط التهدئة بترتيبات أوسع تتعلق بالإقليم وهرمز، إضافة إلى معلومات عن رفض طهران التفاوض مع المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، واستبدالهما بنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي كان في الأصل معارضاً للحرب.
من هنا، تبدو النقاط الـ15 أقرب إلى عرض افتتاحي متشدد منه إلى صيغة نهائية. هذه ليست قراءة انطباعية بقدر ما هي استنتاج تفرضه طبيعة التفاوض في الحروب. فالولايات المتحدة تحتاج إلى أن تبدأ من أعلى سقف ممكن، كي يكون التراجع اللاحق منه محسوباً لا مهيناً. كما أن إدارة دونالد ترامب، التي قدّمت الحرب على أنها وسيلة لإعادة ضبط السلوك الإيراني لا لجرّ أميركا إلى مستنقع جديد، تحتاج سياسياً إلى أن تظهر بمظهر من يفاوض من موقع القوة، لا من موقع البحث عن مخرج. لذلك، قد يكون المقترح الأميركي مصمماً، جزئياً على الأقل، لكي يُرفض بصيغته الأولى، ثم يُعاد تدويره في جولات لاحقة بعد حذف بعض البنود أو تخفيفها. وهذا الاحتمال يكتسب وزناً أكبر إذا قورن بالمزاج الاقتصادي والداخلي الأميركي؛ تراجع شعبية ترامب إلى 36% في استطلاع "رويترز – إيبسوس"، وتدنّي الرضا عن أدائه الاقتصادي وكلفة المعيشة، وارتفاع نسبة الرافضين للضربات على إيران، كلها مؤشرات إلى أن عامل الوقت لا يعمل لمصلحة واشنطن بلا حدود.
تفوّق عسكري لا يُترجم إلى حسم سياسي
لكن الجانب الأميركي لا يدخل هذا المسار من موقع الضعف العسكري. فعلى المستوى العملياتي، تتمتع الولايات المتحدة بقدرة جوية ونارية كبيرة، ودفعت خلال الأيام الأخيرة نحو تعزيز وجودها في المنطقة، مع نشر آلاف إضافيين من قوات النخبة في الفرقة 82، فوق قوة أميركية موجودة أصلاً في الشرق الأوسط تُقدَّر بنحو 50 ألف عنصر، فيما تواصل واشنطن إرسال وحدات بحرية ومارينز لرفع الجاهزية لأي تطور جديد. وذكرت "رويترز" أن الخيارات التي نوقشت داخل الإدارة شملت إمكان تنفيذ عمليات مرتبطة بخَرْج ومضيق هرمز، من دون اتخاذ قرار نهائي بإرسال قوات إلى داخل إيران حتى الآن. المعنى هنا أن واشنطن تلوّح بالتفاوض وفي يدها أيضاً ورقة التصعيد الميداني، لا سيما إذا أرادت نقل الضغط من الجو إلى البر أو البحر.
غير أن ترجمة هذا التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي ليست مسألة تقنية. فالحديث عن خيار بري، سواء في جزيرة خرج أو في محيط مضيق هرمز، يفتح فوراً باب "الوحل الإيراني". جزيرة خرج، بما تمثله من عقدة حيوية لصادرات النفط الإيرانية، قد تبدو هدفاً مغرياً عسكرياً واقتصادياً. غير أن السيطرة عليها أو على نقاط ساحلية مرتبطة بتأمين الملاحة لا تعني فقط إنزال قوات ورفع العلم، بل تعني الدخول في معركة حماية دائمة ضد الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والمسيّرات، والألغام البحرية. وهنا تصبح المشكلة مزدوجة: القوات الأميركية قد تنجح في فتح ممر أو السيطرة على موقع، لكنها قد تجد نفسها بعد ذلك مطالبة بحمايته شهوراً في بيئة لا تحتاج فيها إيران إلى الانتصار التقليدي، بل يكفيها أن تجعل الكلفة البشرية والمالية والسياسية مرتفعة.
هرمز… نقطة الضغط التي تعيد تشكيل التفاوض
وهذا هو بيت القصيد في الحسابات الإيرانية. فطهران تدرك أن واشنطن تستطيع إيلامها بقوة، لكنها تدرك أيضاً أن قدرتها هي على إيلام الاقتصاد العالمي تمنحها وزناً تفاوضياً يفوق ما تعكسه الضربات وحدها. وفق وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يوازي قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للنفط وربع التجارة النفطية البحرية تقريباً، إضافة إلى حصة ضخمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما من قطر والإمارات. وتقول الوكالة إن الحرب الحالية أفضت إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، ما دفعها إلى دعم سحب قياسي من الاحتياطات الاستراتيجية. كما نقلت "رويترز" عن صندوق النقد الدولي أن كل زيادة مستدامة بنسبة 10% في أسعار النفط قد تضيف نحو 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي، وتضغط في الوقت نفسه على النمو. هذا يعني أن استمرار الحرب، أو مجرد بقاء خطر هرمز قائماً، لا يرهق إيران وحدها، بل يضغط على الولايات المتحدة وحلفائها والأسواق العالمية في آن.
ولهذا تحديداً لا يمكن قراءة المفاوضات بمعزل عن كلفة الحرب الاقتصادية. صحيح أن أسعار النفط تراجعت موقتاً مع ظهور تسريبات عن المقترح الأميركي، لكن هذا التراجع كان مدفوعاً بأمل السوق في وقف النار، لا بتبدل حقيقي في الأساسيات. فما دام هرمز تحت التهديد، وما دامت الشحنات متعثرة، وما دام البديل عبر الأنابيب محدوداً، فإن أي انفراج يبقى هشاً. وكالة الطاقة الدولية تشير بوضوح إلى أن القدرة المتاحة لتجاوز المضيق عبر خطوط بديلة في السعودية والإمارات محدودة نسبياً، ولا تكفي لتعويض كامل التدفقات المتأثرة. بمعنى آخر، السوق لا تتعامل مع الحرب كحدث أمني بعيد، بل كعامل تضخم عالمي مباشر.

السيناريو الأكثر واقعية
هل يمكن إذاً التوصل إلى اتفاق على أساس هذه الشروط؟ بالصيغة القصوى المتداولة حالياً، الاحتمال معدوم. ليس فقط لأن إيران لن تقبل بسهولة المسّ المتزامن بملفات النووي والصواريخ والحلفاء وهرمز، بل أيضاً لأن القيادة الإيرانية، حتى وهي تحت ضغط عسكري كبير، لا تستطيع داخلياً أن تسوّق تسوية تبدو كأنها انتزعت منها كل أوراق القوة دفعة واحدة.
لكن هذا لا يعني أن التفاوض بلا معنى. على العكس، القيمة الفعلية للمسار الحالي قد تكون في أنه يختبر حدود الممكن: ما الذي يمكن لإيران أن تجمّده موقتاً؟ ما الذي يمكن لواشنطن أن ترجئه أو تعيد صياغته؟ وهل يمكن الانتقال من "اتفاق شامل" غير واقعي إلى ترتيبات جزئية: وقف نار، تهدئة في هرمز، ضمانات متبادلة، ومحادثات لاحقة على الملفات الأثقل؟ هذا السيناريو يبدو أكثر منطقية من الرهان على صفقة كبرى سريعة.
الخلاصة أن التفاوض الأميركي–الإيراني لا يجري بين طرف منتصر وآخر مهزوم، بل بين طرفين يملكان القدرة على الإيذاء ويخشَيان كلفة الاستمرار. واشنطن لا تريد أن تُستدرج إلى تدخل بري قد يتحول إلى استنزاف مفتوح في خرج أو هرمز أو أي جيب ساحلي آخر. وطهران، رغم تمسكها بسقف عالٍ، تعرف أن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية يفاقم استنزافها العسكري والاقتصادي ويضيّق هامش المناورة الداخلية. لذلك، قد لا تكون النقاط الـ15 خريطة اتفاق بقدر ما هي أداة ضغط أولية، كتبت لتُخفَّض لا لتُقبل كما هي. والسؤال الأرجح الآن ليس ما إذا كان هناك اتفاق شامل في الأفق، بل ما إذا كان الطرفان مستعدَّين للانتقال من حرب السقوف العالية إلى تسوية الحد الأدنى قبل أن يفرض الاقتصاد العالمي إيقاعه على الجميع.
نبض