ذو القدر في موقع القرار… انقسام داخل الحرس بين الحرب والتفاوض
مع تعيين محمد باقر ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، يبرز سؤال أساسي: هل تزامن هذا القرار مع الأنباء عن مفاوضات سرّية بين طهران وواشنطن لوقف إطلاق النار جاء مصادفة، أم أنه خطوة محسوبة تعكس توجهاً إيرانياً مدروساً؟
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل تقديرات تشير إلى أنه بعد اغتيال آية الله علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، انتقل مركز الثقل في القرار إلى الحرس الثوري، مع تراجع دور المؤسسات السياسية التقليدية في إدارة الحرب. ويستدل على ذلك بردود الفعل الحادة التي واجهت تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان، حين أعلن في رسالة مصوّرة أن القوات المسلحة طُلب منها وقف الهجمات على الدول العربية. هذه التصريحات قوبلت باعتراضات واسعة من الحرس ووسائل إعلامه، ما دفعه إلى التراجع عنها سريعاً. كما تجنّبت هيئة الإذاعة والتلفزيون استخدام مصطلح "مجلس القيادة الموقت"، الذي أوكلت إليه مهمة إدارة البلاد عقب اغتيال المرشد الأعلى، مكتفية بالإشارة إلى "المجلس الموقت وفق المادة 111 من الدستور".
والأهم من ذلك، أن مجلس خبراء القيادة تحرّك بسرعة لتعيين مجتبى خامنئي كقائد ثالث للجمهورية الإسلامية، كي لا يُتاح لمجلس القيادة الموقت اتخاذ قرارات أخرى.
تحوّل مركز القرار
في هذا السياق، يكتسب تعيين ذو القدر أهمية خاصة، ولا سيما بعد اغتيال علي لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي. ويطرح ذلك سؤالاً إضافياً: هل يعكس هذا التعيين تعزيزاً لدور الحرس الثوري في إدارة الحرب، أم أنه يمهّد لتعديل في النهج السياسي–الأمني؟
ذو القدر، البالغ 72 عاماً، يُعد من القادة المخضرمين في الحرس الثوري. شغل منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة، وكان نائباً للقائد العام للحرس لثماني سنوات. وفي عام 2010 انتقل إلى العمل السياسي، فتولى مناصب عدة، بينها معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية، قبل أن يُقال إثر خلافه مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، ثم عُيّن معاوناً لرئيس السلطة القضائية. وخلال السنوات الخمس الماضية شغل منصب أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو موقع مؤثر في رسم السياسات لكنه غير تنفيذي.
ورغم انتمائه الواضح إلى الحرس الثوري، وارتباطه بالنهج المتشدد لخامنئي، فإن تعيينه لا يعني بالضرورة إحكام التيار المتشدد قبضته الكاملة على المؤسسة الأمنية الأهم في البلاد. فالحرس، تاريخياً، لم يكن كتلة متجانسة، بل إطاراً تتقاطع داخله تيارات متعددة تختلف في المقاربات، وإن توافقت على حماية النظام.

تياران داخل الحرس: صراع على القرار
وخلال العقدين الماضيين، برز داخل الحرس تياران رئيسيان يتنافسان على التأثير في القرار. يضم التيار الأول قادة بارزين من الجيل القديم، مثل محسن رضائي، ومحمد باقر ذو القدر، ويحيى رحيم صفوي، ومحمد باقر قاليباف. وتشير المعطيات إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقع هذا التيار؛ إذ تولى رضائي دوراً استشارياً عسكرياً للقيادة الجديدة، وبرز صفوي في إدارة غرفة العمليات، فيما تسلّم ذو القدر الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي، ويُطرح قاليباف كأحد الوجوه المحتملة للانخراط في أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة.
في المقابل، يضم التيار الثاني شخصيات مثل عزيز جعفري وأحمد وحيدي، إضافة إلى وجوه أمنية–دينية مثل حسين طائب، وقد توسع نفوذه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، ويرتبط سياسياً بتيارات أكثر تشدداً داخل البلاد، من بينها جبهة "بايداري".
ما يجري حالياً داخل إيران، بالتوازي مع الحرب، هو تنافس غير معلن بين هذين التيارين على توجيه القرار الاستراتيجي. وفي ظل غياب شخصية قيادية جامعة بحجم خامنئي، يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
المفاوضات بين الإنكار والبراغماتية
وينعكس هذا التباين أيضاً في الموقف من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال وجود مفاوضات. إذ يرفض التيار الأكثر تشدداً هذه الرواية، ويعتبرها جزءاً من مناورة سياسية، ويدعو إلى مواصلة الحرب، في حين يبدي التيار الآخر استعداداً لاستثمار أي نافذة ديبلوماسية، من دون التخلي عن أدوات الردع العسكري.
انطلاقاً من ذلك، يمكن النظر إلى تعيين ذو القدر كخطوة قد تعزز موقع التيار الأقرب إلى البراغماتية داخل الحرس، من دون أن تلغي في الوقت نفسه نفوذ التيار المتشدد، ولا سيما في ظل استمرار الحرب.
في المحصلة، يبدو أن المشهد السياسي الإيراني يتجه نحو مزيد من العسكرة، مع تراجع دور الأحزاب وصعود القيادات العسكرية إلى واجهة القرار. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سيستمر هذا التحول بعد انتهاء الحرب، أم أنه ظرفي تفرضه طبيعة المرحلة؟
نبض