أميركا - إيران: قنوات مفتوحة بلا مسار
في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على احتمالات التصعيد، يبرز تناقض لافت في الخطاب السياسي. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث عن "تقدّم" في المحادثات مع إيران، فيما تنفي طهران بشكل قاطع وجود أي مفاوضات. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في التصريحات، بل يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل نحن أمام مفاوضات فعلية، أم أمام ما يمكن وصفه بـ"التفاوض في الظل" تحت ضغط الحرب؟
المعطيات المتوافرة تشير إلى أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى المفاوضات التقليدية. فلا وجود لجداول أعمال واضحة، ولا لقاءات معلنة، ولا مسار تفاوضي متماسك. في المقابل، تتحدث تقارير ديبلوماسية عن تبادل رسائل غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، من بينهم دول خليجية إلى جانب مصر وباكستان، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة.
هذا النمط من التواصل ليس جديداً في الأزمات الكبرى، لكنه يكتسب هنا طابعاً خاصاً. فالحرب الجارية تفرض إيقاعها على أي تحرك ديبلوماسي، ما يجعل هذه الاتصالات أقرب إلى "إدارة أزمة" منها إلى مفاوضات لحلها. بمعنى آخر، الهدف ليس التوصل إلى اتفاق شامل بقدر ما هو كسب الوقت، وخلق هامش للمناورة، وتفادي الانفجار الكامل.
في هذا السياق، يمكن فهم خطاب ترامب عن "التقدم" كجزء من محاولة ضبط الأسواق وتهدئة المخاوف الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بأسعار الطاقة والملاحة في مضيق هرمز. في المقابل، يعكس النفي الإيراني رغبة في تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي يفاوض تحت الضغط العسكري، أو الذي يقدم تنازلات في لحظة تصعيد.
غير أن هذا النفي لا يعني بالضرورة غياب القنوات. فوفق تقديرات متقاطعة، فُتحت خلال الأيام الماضية خطوط تواصل غير مباشرة عبر أكثر من وسيط، ما يعزز فرضية "التفاوض في الظل". إلا أن الإصرار الإيراني على النفي يرتبط بجملة اعتبارات داخلية وخارجية: أولها تراجع الثقة بالقيادة الأميركية بعد تجارب سابقة، وثانيها عدم الرغبة في منح واشنطن مكسباً سياسياً أو اقتصادياً، سواء عبر تهدئة الأسواق أو خفض أسعار النفط. كما يعكس النفي موقفاً داخل بعض دوائر القرار الإيرانية يسعى إلى إظهار ترامب بموقع الطرف الساعي إلى التفاوض، لا العكس، في إطار صراع معنوي موازٍ للمواجهة العسكرية.

إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل هذا الموقف عن تباينات داخلية في إيران بين تيار يدفع نحو اختبار المسار التفاوضي، وآخر يفضّل إطالة أمد الاستنزاف لتحقيق مكاسب إضافية. كما تُطرح فرضيات تتعلق بمحاولة طهران توظيف عامل الوقت والضغط السياسي داخل الولايات المتحدة، سواء عبر التأثير غير المباشر في المشهد الداخلي الأميركي، أو عبر تحسين شروطها التفاوضية قبل أي انخراط علني.
لكن الفارق اليوم أن هذه القنوات تعمل في ظل تصعيد ميداني متزامن، ما يحدّ من قدرتها على التحول إلى مسار تفاوضي فعلي. فالفجوات بين الطرفين لا تزال عميقة، سواء في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو بالدور الإقليمي لطهران، أو بشروط وقف الحرب نفسها.
من هنا، تبدو الصورة أقرب إلى معادلة مركبة: توقف موقت تحت الضغط، لكن لا مسار تسوية واضح. فالديبلوماسية تتحرك، لكنها محكومة بإيقاع المواجهة، وليست قادرة حتى الآن على كبحها أو تغيير مسارها.
وعليه، لا يمكن الحديث عن مفاوضات بالمعنى التقليدي، ولا عن غياب كامل لها. ما يجري هو منطقة رمادية بين الاثنين: تواصل غير مباشر، واختبار للمواقف، ومحاولة لإدارة التصعيد من دون القدرة على إنهائه. وفي ظل استمرار هذه المعادلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول هذا "التفاوض في الظل" إلى مسار حقيقي، أم يبقى مجرد أداة موقتة في حرب لم تصل بعد إلى نهايتها؟
نبض