إيران بين التشكيك والقلق… كيف استقبلت رواية ترامب عن التفاوض؟
أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخوله في "محادثات" مع مسؤول إيراني، وتعليقه الموقت للضربات على منشآت الطاقة، تساؤلات حيال طبيعة هذه الاتصالات وجدّيتها. وجاء ذلك بعد تهديده باستهداف البنية التحتية للطاقة في حال عدم فتح مضيق هرمز.
وبحسب "أكسيوس"، جرت خلال الأيام الماضية وساطات عبر تركيا ومصر وباكستان، ترافقت مع محادثات غير مباشرة بين واشنطن وطهران. كما أفادت "رويترز" بأن الولايات المتحدة طرحت عقد لقاء مع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، من دون رد رسمي حتى الآن.
في هذا السياق، لا تزال طبيعة هذه الاتصالات غير واضحة: هل تمثل بداية مسار تفاوضي فعلي، أم مجرد محاولة لاحتواء التصعيد وكسب الوقت؟ فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن ما يجري لا يتجاوز حتى الآن قنوات أولية لاستكشاف خفض التوتر، أكثر منه مفاوضات مكتملة المعالم.
وتزداد الصورة تعقيداً مع غياب شريك تفاوضي واضح داخل إيران. فالزعيم الجديد، المرشد مجتبى خامنئي، لم يظهر بعد في العلن، والوصول إليه بالغ الصعوبة، فيما لا يمتلك الرئيس مسعود بزشكيان، في ظل ظروف الحرب وهيمنة الحرس الثوري على مفاصل القرار، الصلاحيات الكافية لاتخاذ قرار من هذا النوع. وعليه، يبرز محمد باقر قاليباف كأحد الأسماء القليلة القادرة نظرياً على لعب دور في هذا المسار، إذا ما تم التوافق عليه داخلياً.
في موازاة ذلك، برز دور باكستان كبديل محتمل لعُمان في الوساطة بين الطرفين. فقد ناقش قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير الحرب الجارية مع ترامب، فيما شدد رئيس الوزراء شهباز شريف، خلال اتصال مع بزشكيان، على ضرورة خفض التوتر. كما تؤكد مصادر ديبلوماسية أن إسلام آباد تنقل رسائل غير مباشرة بين واشنطن وطهران، وتسعى إلى استضافة جولة مفاوضات محتملة.
وبما أن باكستان لا تستضيف قواعد أميركية، فهي تُعد من الدول القليلة المجاورة لإيران التي لم تتعرض لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة، ما يعزز موقعها كوسيط مقبول نسبياً. كما أن العلاقات الجيدة بين طهران وإسلام آباد تفتح المجال لاختبار هذا المسار.

أما في إيران، فقد أثارت تصريحات ترامب تفاعلات متباينة يمكن تصنيفها ضمن أربع فئات رئيسية:
1- ردود الفعل الرسمية:
سارعت السلطات الإيرانية ووسائل الإعلام الحكومية إلى نفي ادعاء ترامب، معتبرة تصريحاته دليلاً على ارتباك إدارته وعجزها في إدارة الحرب. فقد نفت وزارة الخارجية وجود أي مفاوضات، فيما أكد قاليباف أن الشعب الإيراني يسعى إلى "معاقبة المعتدين"، نافياً أي تواصل مع واشنطن، ومعتبراً أن هذه الأخبار "مفبركة للتلاعب بالأسواق والهروب من مأزق التصعيد". أما بزشكيان فاكتفى بالإشادة بالقوات المسلحة من دون التطرق مباشرة إلى تصريحات ترامب.
2- رد فعل الإعلام المرتبط بالحرس الثوري:
اتخذت وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري موقفاً حاداً، معتبرة تصريحات ترامب جزءاً من حرب نفسية للتغطية على الفشل العسكري. وذكرت مواقع مثل "مشرق" أن الرسائل غير المباشرة لا تتضمن عروضاً جدية، وأن إيران مستمرة في الحرب حتى تحقيق أهدافها، بما في ذلك استمرار الضغط في مضيق هرمز. كما اعتبرت بعض هذه الوسائل أن طرح اسم قاليباف قد يكون تمهيداً لاستهدافه.
كذلك، أبدى أنصار متشددون للنظام رفضاً قاطعاً لأي مفاوضات، داعين إلى مواصلة الهجمات على إسرائيل والقواعد الأميركية، والرد على مقتل القادة والمواطنين الإيرانيين.
3- رد فعل المعارضين للنظام:
يرى المعارضون، خصوصاً في الخارج، أن الحديث عن مفاوضات يشكل خسارة لمسار إسقاط النظام، إذ يخشون من صفقة بين واشنطن وطهران. لذلك يدفع هذا التيار باتجاه استمرار الحرب حتى إحداث تغيير سياسي جذري.
4- رد فعل شريحة واسعة من المجتمع:
في المقابل، تعبّر شريحة واسعة من المجتمع الإيراني، الرافضة للحرب، عن قلق متزايد من تداعياتها. وبفعل انقطاع الإنترنت وضعف الوصول إلى المعلومات، يبقى صوت هذه الفئة أقل حضوراً، إلا أنها تميل إلى دعم أي مسار تفاوضي قد يضع حداً للحرب. ورغم انتقادها لبعض سياسات النظام، فإنها ترفض التدخل الخارجي، وتعتبر أن أي إصلاح يجب أن ينبع من الداخل.
في المحصلة، تعكس هذه التباينات حجم التعقيد الذي يحيط بأي مسار تفاوضي محتمل. فبين قنوات اتصال غير مكتملة، وغياب مركز قرار واضح في طهران، وتباعد الشروط بين الطرفين، تبدو الديبلوماسية حتى الآن أداة لإدارة التصعيد أكثر من كونها مدخلاً فعلياً لإنهائه.
نبض