محمد باقر ذو القدر... رجل الأمن خلفاً للاريجاني
لم يكن تعيين محمد باقر ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران مجرّد خطوة إدارية عابرة، بل هو مؤشر دقيق على تحوّل بنيوي يتسارع داخل النظام الإيراني: انتقال مراكز المسؤولية من رجال السياسة التقليديين إلى النواة الصلبة ذات الخلفية العسكرية والأمنية.
هذا التعيين، الذي جاء بعد أسبوع على اغتيال علي لاريجاني، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يعيد رسم معادلة السلطة في طهران، حيث تتقدّم المؤسسة العسكرية، ممثّلة بالحرس الثوري، لتصبح الفاعل الأكثر تأثيراً في صياغة القرار السياسي.

ينتمي ذو القدر إلى خلفية عسكرية ضمن الحرس الثوري الإيراني، حيث تولّى خلال مسيرته عدداً من المناصب القيادية. وقد شغل مواقع مختلفة منذ السنوات الأولى للثورة الإيرانية، من بينها العمل في اللجان الثورية، ثم الإشراف على تدريب قوات الحرس خلال الحرب الإيرانية-العراقية. وتولّى قيادة "مقر رمضان"، وهو جهاز أُنشئ خلال تلك الحرب لتنفيذ عمليات خارج الحدود، لا سيما في الساحة العراقية.
لاحقاً، انتقل ذو القدر إلى مواقع عليا داخل الحرس الثوري، فشغل منصب رئيس الأركان المشتركة لعدة سنوات، ثم نائب القائد العام، قبل أن يتولّى مهام عدّة في هيئة الأركان العامة، خصوصاً في ما يتعلق بقوات الباسيج.
كذلك شغل مواقع أمنية في وزارة الداخلية خلال عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، إلى جانب مناصب ضمن مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو من أبرز الهيئات الاستشارية في إيران.
يشار إلى أنّ اسم ذو القدر مدرج ضمن لائحة العقوبات الدولية الصادرة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1747، على خلفية ارتباطه بملفات تتصل بالبرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين.
حياته ومسيرته العسكرية
وُلد ذو القدر عام 1954 في مدينة فسا، وبرز اسمه منذ المراحل الأولى لقيام النظام الإيراني، حيث شارك عام 1979 في قيادة إحدى اللجان الثورية التي اضطلعت بدور أساسي في تثبيت أركان السلطة الجديدة. ومع اندلاع الحرب الإيرانية-العراقية، تولى مسؤوليات محورية داخل الحرس الثوري، من بينها الإشراف على تدريب القوات، قبل أن يُكلّف بقيادة "مقر رمضان"، وهو جهاز تأسس عام 1983 بهدف إدارة أنشطة خارجية خلال الحرب، وتوسّع لاحقاً ليشمل التنسيق مع مجموعات وشخصيات سياسية في العراق، من بينها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة، إضافة إلى شخصيات برزت لاحقاً في المشهد السياسي العراقي مثل نوري المالكي وهادي العامري. شارك في هذا الإطار عدد من القيادات العسكرية التي تولّت لاحقاً مناصب داخل إيران وخارجها.
عقب انتهاء الحرب، دخلت إيران مرحلة إعادة بناء مؤسساتها، وفي هذا السياق شغل ذو القدر منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة للحرس الثوري لمدة ثماني سنوات خلال عهد الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني، وهي مرحلة اتسمت بإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتطوير بنيتها. ثم تولى بعد ذلك منصب نائب القائد العام للحرس الثوري لمدة مماثلة، ما وضعه في موقع متقدم داخل هرم القيادة العسكرية، ورسّخ حضوره كأحد صناع القرار الأمني في البلاد. وبالتوازي مع مسيرته العسكرية، تابع تحصيله العلمي حتى نال درجة الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من الجامعة العليا للدفاع الوطني، وهو ما يعكس توجّهاً لدى القيادات الإيرانية نحو الجمع بين الخبرة الميدانية والتأهيل الأكاديمي في إدارة الملفات المعقدة.
مع مطلع الألفية الثالثة، بدأ ذو القدر انتقالاً تدريجياً إلى العمل التنفيذي، حيث عُيّن عام 2005 معاوناً لوزارة الداخلية للشؤون الأمنية والشرطية في الحكومة التاسعة، في مرحلة اتسمت بتشديد القبضة الأمنية داخلياً. وشغل أيضاً منصب نائب الأمن وإنفاذ القانون في الوزارة خلال عهد مصطفى بورمحمدي، قبل أن يُقال من منصبه عام 2007، في مؤشر على طبيعة التوازنات الداخلية المعقدة داخل النظام. غير أن خروجه من هذا الموقع لم يُنهِ مسيرته، بل انتقل لاحقاً إلى السلطة القضائية، حيث تولى بين عامي 2012 و2020 مهامّ تتعلق بالحماية الاجتماعية ومنع الجريمة والشؤون الاستراتيجية، وهو ما يعكس توسيع نطاق توظيف الخبرات الأمنية داخل مؤسسات غير عسكرية.
في 19 أيلول 2021، عاد ذو القدر إلى الواجهة السياسية من خلال تعيينه أميناً لمجمع تشخيص مصلحة النظام بقرار صادر عن صادق لاريجاني وبموافقة المرشد الإيراني، خلفاً لمحسن رضائي. ويُعد هذا المنصب من المواقع المفصلية في النظام الإيراني، نظراً إلى الدور الذي يؤدّيه المجمع في تسوية الخلافات بين السلطات وصياغة السياسات العليا، ما يعزز من أهمية وجود شخصية ذات خلفية أمنية وعسكرية في هذا الموقع.
لا يمكن فصل هذا المسار عن السياق الأوسع الذي يشهد تصاعداً في حضور الحرس الثوري داخل مفاصل الدولة، سواء في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية. ويأتي ذلك في ظلّ تحدّيات داخلية، أبرزها الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، إضافة إلى التهديدات الخارجية والضغوط الدولية، بما في ذلك العقوبات التي طالت شخصيات بارزة من بينها ذو القدر نفسه، المدرج على قائمة العقوبات بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1747 بسبب ارتباطه ببرامج الصواريخ والبرنامج النووي الإيراني.
في ضوء ذلك، يمكن قراءة مسيرة محمد باقر ذو القدر بوصفها تعبيراً عن نمط أوسع من إعادة تشكيل النخبة الحاكمة في إيران، حيث تتقاطع الخبرة العسكرية مع الأدوار السياسية والقضائية ضمن إطار واحد. ويعكس هذا النمط توجّهاً استراتيجياً نحو مركزية القرار وتعزيز الطابع الأمني للدولة، بما يتيح للنظام قدرة أكبر على إدارة الأزمات، لكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول مستقبل التوازن بين المؤسسات المدنية والعسكرية في بنية الحكم الإيرانية.
نبض