3 سيناريوات لمسار الحرب على إيران… هل بدأ أخطرها؟
بعد ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد السؤال ما إذا كانت المواجهة ستتوسع، بل كيف ومتى وبأي اتجاه؟ فمع انتقال الضربات من الأهداف العسكرية إلى منشآت الطاقة والبنى المدنية، وامتداد التهديد إلى مضيق هرمز، وربما باب المندب قريباً، دخلت الحرب مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع اعتبارات الاقتصاد العالمي، ما يجعل مسارها مفتوحاً على ثلاثة سيناريوات رئيسية تتفاوت في مستوى التصعيد واتساع رقعته.
تصعيد مُتحكم به
يقوم هذا السيناريو على استمرار الحرب ضمن إطارها الحالي، بحيث تبقى المواجهة محصورة بين الأطراف الثلاثة دون انخراط مباشر لدول إضافية، مع الحفاظ على نمط الضربات المكثفة لكن المحسوبة. فواشنطن، رغم انخراطها العسكري، والتهديد بتدخّل بري في إيران أو جزيرة هرج، لا تزال تحاول إدارة مستوى التصعيد بما يمنع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة، فيما تواصل إسرائيل استهداف البنية الاستراتيجية الإيرانية، خصوصاً تلك المرتبطة بالبرنامج النووي والقدرات الصاروخية.
في المقابل، تبدو إيران حريصة على الحفاظ على معادلة ردع متبادل دون دفع المواجهة إلى نقطة اللاعودة، وهو ما يظهر في طبيعة ردودها التي تبقى ضمن هامش محسوب، رغم اتساع نطاقها. غير أن هذا التوازن الدقيق بدأ يتآكل مع دخول قطاع الطاقة في قلب المواجهة، خصوصاً بعد استهداف إسرائيل حقل بارس الجنوبي، وهو ما شكّل تحوّلاً خطيراً في طبيعة الحرب، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نفي علمه بها مسبقاً أو التنسيق بشأنها.
بذلك، لم يعد "التصعيد المتحكم به" يعني احتواءً فعلياً، بل إدارة مواجهة مفتوحة على احتمالات الانفلات، حيث يكفي خطأ واحد أو ضربة ذات أثر كبير لتغيير قواعد الاشتباك بالكامل.
حرب إقليمية
السيناريو الثاني، والأكثر خطورة، يتمثل في تحول الحرب إلى صراع إقليمي مفتوح، وهو احتمال لم يعد بعيداً في ضوء التطورات الأخيرة. فانتقال الضربات إلى منشآت نفطية ومدنية في دول الخليج يشير إلى أن المواجهة تجاوزت الإطار الثلاثي (أميركا وإسرائيل وإيران)، لتصبح مرتبطة مباشرة بأمن الطاقة العالمي.
هذا التحول يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة بين احتواء التصعيد والانخراط فيه، خاصة إذا تكررت الهجمات على منشآتها الحيوية أو تعرضت لخسائر بشرية مباشرة. في هذه الحالة، قد لا يكون الدخول في الحرب خياراً سياسياً بقدر ما يصبح ضرورة أمنية، حتى لو اقتصر على أدوار دفاعية أو عمليات محدودة.
البعد البحري يزيد من تعقيد هذا السيناريو. فالتوتر المتصاعد في مضيق هرمز، بالتوازي مع حديث أوروبي عن الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة، يضع المنطقة أمام احتمال مواجهة بحرية مباشرة، وهو ما تعتبره طهران تجاوزاً لخطوطها الحمراء. وفي الوقت نفسه، يبرز باب المندب كجبهة محتملة، فتدخل الحوثيين في الحرب بطلب من إيران، خصوصاً عبر تعطيل الملاحة، قد يؤدي إلى شلل مزدوج في حركة التجارة العالمية.
في هذا السياق، لا تعود الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تتحول إلى صراع على الممرات البحرية وأسواق الطاقة، ما يعني عملياً دخولها مرحلة الحرب الإقليمية، أو حتى العالمية بشكل ما، دون إعلان رسمي بذلك.

ضغط ديبلوماسي
بالتوازي مع هذا التصعيد، يتشكل مسار ديبلوماسي يحاول كبح اندفاع الحرب، تقوده أساساً أطراف أوروبية وإقليمية، مع تصاعد الدعوات لوقف استهداف منشآت الطاقة وضمان أمن الممرات البحرية، إلى جانب جهود وساطة تقودها سلطنة عمان وأطراف أخرى.
هذا الضغط يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب بهذا الشكل يهدد الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الاضطرابات التي طالت أسواق النفط والغاز. كما أن دخول أطراف دولية مثل اليابان وكندا على خط الدعوات لاحتواء التصعيد يعزز من ثقل هذا المسار.
مع ذلك، لا تزال فرص نجاحه محدودة في المدى القريب، نظراً لاستمرار العمليات العسكرية وغياب أي مؤشرات على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات جوهرية. غير أن هذا السيناريو يظل قائماً، وقد يفرض نفسه تدريجياً كلما ارتفعت كلفة الحرب وتوسعت تداعياتها.
إلى أين؟
تشير القراءة المتقاطعة إلى أن الحرب تسير حالياً في مسار مزدوج يجمع بين استمرار التصعيد ضمن الإطار القائم، مع توسع تدريجي نحو الإقليم، خصوصاً عبر جبهة الطاقة والممرات البحرية.
غير أن نقطة التحول باتت واضحة. إذا استمر استهداف منشآت الخليج أو تصاعد التهديد للملاحة في المضائق، فإن الانتقال إلى حرب إقليمية يصبح أقرب من أي وقت مضى. أما إذا نجحت الضغوط الدولية في فرض قيود على مسار العمليات، فقد تتجه الحرب نحو احتواء تدريجي دون أن تحقق أي من الأطراف نصراً حاسماً.
نبض