بين ضرب الرؤوس والنتائج العكسية: ماذا تحقق الاغتيالات في إيران؟
تُسرّع إسرائيل وتيرة استهداف قادة إيران في محاولة لإضعاف النظام ودفعه نحو الانهيار، لكن هذه الاستراتيجية تثير شكوكاً متزايدة بشأن جدواها. فالتجارب السابقة تشير إلى أن اغتيال القيادات لا ينهي الصراعات، بل قد يعمّقها، وقد يأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان.
تشير التجارب التاريخية إلى أن الاغتيالات نادراً ما تُنهي الصراعات أو تعالج جذورها، بل قد تؤدي إلى صعود قيادات أكثر تشدداً. مثال ذلك "حزب الله" بعد اغتيال أمينه العام عباس الموسوي عام 1992، إذ تعزّزت قوته لاحقاً، وكذلك "حماس" التي خسرت قادة تلو الآخرين. فقد قتلت إسرائيل مؤسسها وزعيمها الروحي، الشيخ أحمد ياسين، في غارة جوية عام 2004. ومنذ ذلك الحين، قُتل جميع مهندسي هجوم الحركة على إسرائيل في 7 تشرين الاول/أكتوبر 2023 تقريباً. ورغم ذلك واصلت نشاطها. حتى في الحالة الإيرانية، لم تؤدِ الضربات إلى انهيار النظام، بل استمرت مؤسساته في العمل وإدارة المواجهة.
ورغم أن عمليات الاغتيال قد تُحقق إنجازات ملموسة يُمكن للقادة اعتبارها انتصارات إلا أنها نادراً ما تُعالج المظالم الكامنة التي تُغذي الصراعات. فـ"حماس" تواصل نضالها مدفوعة بمظالم متجذرة منذ عقود من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".
ويرى محللون أن الأنظمة والدول لا تعتمد على أفراد فقط، بل على شبكات ومؤسسات متماسكة قادرة على الاستمرار رغم الخسائر. كما أن اغتيال القادة قد يدفع الأتباع إلى مزيد من التطرف أو الانتقام، ويزيد من وتيرة العنف.

تاريخياً، أظهرت تجارب مثل ليبيا عام 2011 والعراق عام 2003 والكونغو عام 1961 أن إسقاط القيادات لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام الفوضى أو صراعات طويلة. أما في السياق الإيراني، فلا توجد مؤشرات على انتفاضة داخلية رغم الرهان الإسرائيلي على ذلك.
ومع التصعيد الإسرائيلي التي تعتبره تل أبيب وسيلة لإضعاف النظام و"قطع رأس الأخطبوط"، يُمكن أن تُعقّد عمليات الاغتيال الإسرائيلية لقادة إيرانيين مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الصراع بدل تسهيلها.
ويقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور عماد سلامة، لـ"النهار"، إن "تسريع وتيرة الاغتيالات قد يحمل نتائج عكسية رغم ما يحققه من مكاسب تكتيكية. فإسرائيل لا تكتفي بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل تسعى أيضاً إلى إقصاء القيادات القادرة على التفاوض أو تقديم تسويات، بحيث يصبح البديل إما الفوضى أو إعادة تشكيل النظام بالقوة".
ورغم ما تحمله هذه العمليات من رمزية وتأثير تكتيكي، فإن نتائجها الاستراتيجية تبقى غير واضحة. إذ قد تُضعف النظام موقتاً، لكنها قد تدفع أيضاً إلى مزيد من التصلب والانتقام، وتُغلق قنوات التفاوض، ما يُطيل أمد الصراع. كما أن النظام الإيراني، الذي يقوم جزئياً على ثقافة "الشهادة"، قد يستفيد من هذه الضربات لتعزيز تماسكه الداخلي بدل انهياره، بحسب شبكة "سي ان ان".
بالنسبة لترامب، تخلق هذه الاغتيالات معضلة: فهي قد تُضعف الخصم عسكرياً، لكنها تُقلّص فرص التوصل إلى تسوية سياسية، خصوصاً مع استهداف شخصيات يُمكن أن تلعب دوراً في التفاوض. كما أن القضاء على القيادات قد يُنتج خلفاء أكثر تشدداً أو أقل خبرة، ما يزيد من عدم الاستقرار. فالاغتيالات قد تحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنها تُعقّد نهاية الحرب، وتجعل أي حل ديبلوماسي أكثر صعوبة وغموضاً.
ويضيف سلامة لـ"النهار" أن هذه المقاربة قد تخدم جزئيا الحملة العسكرية الأميركية عبر إضعاف بنية النظام وقدرته على التنسيق، لكنها في المقابل تُعقّد مسار إنهاء الحرب، إذ إن غياب شركاء موثوقين داخل النظام الإيراني يجعل الوصول إلى تسوية سياسية أمراً شبه مستحيل. وبذلك، قد تفضي هذه الاستراتيجية إلى إطالة أمد الصراع ورفع كلفته، مع تراجع فرص الحلول السياسية لصالح سيناريوات التصعيد المفتوح أو الانهيار غير المنضبط.
نبض