المنطقة على صفيح ساخن: حرب واحدة لكن الواقع مختلف

ايران 20-03-2026 | 12:57

المنطقة على صفيح ساخن: حرب واحدة لكن الواقع مختلف

منطقة كلها ساحة اشتباك مترابطة، تتداخل فيها الأدوات العسكرية بالاقتصادية، وتتحول فيها الممرات الحيوية ومصادر الطاقة إلى عناصر ضغط، لا تقلّ رعباً عن الصواريخ والطائرات.
المنطقة على صفيح ساخن: حرب واحدة لكن الواقع مختلف
دمار في موقع غارة إسرائيلية استهدفت ببرج البراجنة، في ضاحية بيروت الجنوبية، 9 مارس 2026. (فرانس برس)
Smaller Bigger

من أجواء إيران المشتعلة بالغارات الأميركية – الإسرائيلية، إلى أجواء الخليج العربي التي تخترق هدوءها صواريخ إيران ومسيراتها من دون أي تبرير حربي، الحرب واحدة، لكن الواقع متعدد، وكل طرف يدفع الثمن بطرق مختلفة. 

فهذه الحرب لا تُحدّ، منذ بدايتها في 28 شباط/فبراير المنصرم، بحدود جغرافية ضيقة أو بجبهات تقليدية منفصلة، فالمنطقة كلها ساحة اشتباك مترابطة، تتداخل فيها الأدوات العسكرية بالاقتصادية، وتتحول فيها الممرات الحيوية ومصادر الطاقة إلى عناصر ضغط، لا تقل رعباً عن الصواريخ والطائرات. 

الخليج العربي
تتحرك المواجهة في الخليج العربي على مستوى مختلف، حيث تتخذ الحرب طابعاً اقتصادياً واستراتيجياً بالدرجة الأولى: تهديد الملاحة في الممرات الحيوية، واستهداف منشآت الطاقة، ومحاولات التأثير في تدفقات النفط والغاز، أدوات تتقصد إيران استخدامها للضغط على النموذج الخليجي للاستقرار والنمو في المنطقة. 

فالأمان الخليجي، خصوصاً في دولة الإمارات العربية المتحدة، هو الهدف الأساس لصواريخ إيران ومسيراتها، التي تستهدف المرافق الحيوية، إلى جانب استهداف المنشآت النفطية لتكبيد دول الخليج أثماناً لصراع كانت هذه الدول مصرة منذ البداية على رفض الدخول في رماله المتحركة. 

ويبدو أن هذا النمط من الاستهداف يعكس إدراكاً إيرانياً بأن ضرب نموذج الأمان الخليجي اقتصادياً قد يحقق تأثيراً يفوق في بعض جوانبه المواجهة العسكرية المباشرة.

ففي مقابل مشهد إقليمي مستعر، يقدّم الخليج نموذجاً قائماً على إدارة الأزمات، لا الانجرار إليها. فبدل الانفعال والتصعيد، يعتمد قادة الخليج مقاربة هادئة تحافظ على التوازن بين حماية الأمن واستمرار التنمية. وهذه الاستراتيجية تعكس قوة محسوبة بدقة، تُترجم في تحصين الداخل وتعزيز الشراكات. هكذا، يتحول الاستقرار من حالة دفاعية إلى خيار استراتيجي يحمي المكتسبات وسط بيئة مضطربة. وتتحول سياسة الخليج إلى نمط مستدام من الحماية للمصالح الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي للمجتمع الخليجي.

هذا التوجه الإيراني يحمل في طياته دلالات معاكسة أيضاً. فالانتقال إلى أدوات الضغط غير المباشر، لا سيما الاقتصادية منها، قد يعكس ارتفاع كلفة المواجهة التقليدية بالنسبة لإيران نفسها، وتراجع قدرتها على خوض صراع مفتوح من دون تكبد خسائر متزايدة في الداخل، وهذا ما ظهر بعد استهداف حقل رأس لفان القطري للغاز.

 

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)

 

إسرائيل
في إسرائيل، تخوض تل أبيب حرباً على جبهتين: تواجه تهديدات متزامنة من "حزب الله" في لبنان ومن إيران، مع استمرار التعرض لهجمات صاروخية ومسيّرات. وعلى الرغم من التفوق العسكري والتقني، كثافة الهجمات واستمراريتها تفرض ضغوطاً متزايدة على منظومات الدفاع الجوي، وتستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية، في وقت تواصل فيه تل أبيب تنفيذ ضربات عميقة داخل إيران.

إيران
في إيران، تبدو ملامح التحول أشد وضوحاً. فبعد سنوات من الاعتماد على الحروب بالوكالة، دخلت طهران في مواجهة أكثر مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في هذه المرة. إلا أن هذه المواجهة كشفت عن تحديات داخلية متزايدة: أدت الغارات الجوية المتكررة إلى استهداف منشآت استراتيجية ومواقع حساسة، بالتوازي مع تكبد إيران خسائر ملحوظة في قيادات عسكرية وأمنية ذات شأن، ما يطرح تساؤلات جدية حول تماسك بنية القرار في إيران، وقدرة النظام على إدارة صراع طويل الأمد. 

وعلى الرغم من استمرار الرد عبر الصواريخ والمسيّرات، فإن كلفة الضربات داخل العمق الإيراني تشير إلى بداية تآكل تدريجي في القدرة على امتصاص الضربات واستعادة التوازن بسرعة.

لبنان
الوضع في لبنان مختلف: إنه الجبهة الوحيدة على تماس مع إسرائيل. يتخذ النزاع فيه طابع حرب استنزاف مفتوحة، فالغارات الجوية الإسرائيلية شبه اليومية، والتوغل البري التدريجي في الجنوب، وموجات النزوح الواسعة التي تجاوزت المليون نازح بينهم 133 ألفاً فقط مسجلين في مراكز إيواء، كلها مؤشرات على انتقال المواجهة من حدود اشتباك محدودة إلى صراع يطال عمق البلاد وبنيتها الاجتماعية والاقتصادية. فالضربات لم تعد محصورة في المناطق الحدودية، بل امتدت لتطال مراكز حضرية وبنى تحتية حساسة، ما يعمّق الأزمة الإنسانية ويزيد من هشاشة الوضع الداخلي.

ثمة قاسم مشترك مهم بين لبنان والخليج: إنهما طرفان في حرب لا ناقة لهما فيها ولا جمل. فإيران جرّت منطقة الخليج برمتها إلى الحرب، وأقفلت مضيق هرمز بوجه صادراتها النفطية ثم استهدفت منشآتها النفطية مباشرة، وهي ليست طرفاً محارباً. و"حزب الله" الإيراني يجرّ لبنان، للمرة الثانية في سنتين، إلى حرب لا يريد التورط فيها، ويتلقى بسببها قصفاً إسرائيلياً عنيفاً، وهجوماً برياً لا تُعرف حدوده بعد. 

لم يعد ممكناً التخفيف من حقيقة أساسية: واضح أن القرار السيادي في لبنان مصادر، فهذه الحرب كشفت أن قرار السلم والحرب ليس بيد السلطات اللبنانية، إنما بيد "حزب الله" الذي يغلّب مصلحة إيران على مصلحة لبنان وشعبه. فهذا الـحزب لا يكتفي بالانخراط في حرب أقليمية لا طاقة للشعب اللبناني كله على تحمّل أوزارها، إنما يفرضها أيضاً كأمر واقع على دولة وشعب لم يختاراها.  هنا، لا يعود الحديث عن خسائر فقط، بل عن أصل المأساة: سلاح خارج الشرعية، يخطف قرار السلم والحرب، والحل الجذري واضح وصريح: لا سيادة بلا حصرية السلاح بيد الدولة، ولا دولة في ظل ازدواجية القرار.

لم يعد الحديث عن نحو مليون نازح في لبنان مجرد رقم يُضاف إلى حصيلة الحرب، بل دليل صارخ على فشل مزدوج في حماية الإنسان. فهؤلاء المدنيون لم يختاروا المواجهة، لكنهم يدفعون ثمن قرارات اتُخذت خارج إرادتهم، بين عجز الدولة وتفرّد "حزب الله" بقرار التورط في الحرب. لذا، تتحول المأساة إلى أكثر من نزوح: إنها نتيجة مباشرة لغياب القرار السيادي، حيث يُترك المواطن وحيداً في مواجهة كارثة كان يمكن تجنبها.

موازين قوى
إن التباين في الواقع بين طرف وآخر من الأطراف التي تجمعها هذه الحرب، خصوصاً لبنان، يكشف عن حقيقة صادمة: من يقرر الحرب ليس من يدفع ثمنها، ومن يدفع ثمنها لم يكن يريدها!

في خضم تحليل موازين القوى، يضيع السؤال الأهم: من يملك الحق في اتخاذ القرار؟ في لبنان، لا تبدو المشكلة في فهم ما يحدث، بل في التسليم به. لماذا يُحرم اللبنانيون من تقرير مصيرهم، فيما تُفرض عليهم حرب لم يختاروها؟ وأي شرعية أخلاقية تتيح لـ"حزب الله" جرّ بلدٍ كامل إلى مواجهة مفتوحة؟ هنا، لا يعود التحليل كافيًا، بل تصبح المساءلة ضرورة سياسية لا يمكن تأجيلها.

عموماً، تكشف هذه الحرب يوماً بعد يوم عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراعات الإقليمية: صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع ساحات الاقتصاد والطاقة، ويقوم على الاستنزاف طويل الأمد بدلاً من الحسم السريع. وفي قلب هذا المشهد، تبرز مفارقة لافتة: كلما سعت إيران إلى توسيع نطاق المواجهة خارج حدودها، ازدادت الضغوط على بنيتها الداخلية، ما يجعل مسار الحرب مفتوحاً على احتمالات أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/18/2026 6:11:00 PM
الجمعة أول أيام عيد الفطر في دول عربية وإسلامية بعد تعذّر رؤية الهلال
العالم العربي 3/19/2026 6:55:00 PM
6 لبنانيين في لائحة "فوربس" لأثرياء العالم 2026… والثروات العالمية تقفز إلى 20.1 تريليون دولار
الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.