حين تُسقط الاغتيالات مراكز القرار... من يحكم إيران في زمن الحرب؟
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع تصاعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران وتكاثر الضربات التي طالت بنيتها العسكرية والسياسية، يعود سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحاً: من يمسك فعلياً بزمام السلطة والقرار في طهران اليوم؟ هل لا يزال القرار بيد المرشد الأعلى، أم أن مراكز القوة انتقلت تدريجياً إلى مؤسسات أخرى، وفي مقدمها الحرس الثوري؟
المرشد... سلطة دستورية مطلقة
من الناحية الدستورية، لا لبس في موقع السلطة داخل النظام الإيراني. فبموجب دستور الجمهورية الإسلامية الصادر عام 1979 والمعدّل عام 1989، يحتل المرشد الأعلى قمة هرم الحكم، بصفته القائد العام للقوات المسلحة والمشرف على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وصاحب الكلمة الفصل في السياسات الاستراتيجية، من الأمن إلى السياسة الخارجية.
وقد شغل هذا الموقع علي خامنئي منذ عام 1989 حتى وفاته، بعدما خلف مؤسس الجمهورية روح الله الخميني. وخلال أكثر من ثلاثة عقود، نجح خامنئي في بناء شبكة معقدة من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري، الذي تحول تدريجياً إلى الذراع الأقوى للنظام.
اليوم، ومع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد، لا يبدو الرجل طارئاً على دوائر القرار، إذ تشير التقديرات إلى أنه كان منخرطاً لسنوات في إدارة شؤون مكتب والده، ونسج علاقات وثيقة مع القيادات العسكرية، خصوصاً داخل الحرس الثوري، ما يمنحه امتداداً فعلياً داخل بنية السلطة.
الحلقة الضيقة... إدارة الحرب والقرار
بعيداً عن الشكل الدستوري، تكشف تطورات الحرب عن وجود حلقة ضيقة تتحكم فعلياً في إدارة القرار، وخصوصاً في الملفات العسكرية والأمنية. وتضم هذه الحلقة شخصيات ذات خلفيات عسكرية وأمنية بارزة.
في مقدمتها محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري بين عامي 1981 و1997، والذي يُعد من أبرز العقول الاستراتيجية في المؤسسة العسكرية الإيرانية، ولعب دوراً مركزياً خلال الحرب العراقية–الإيرانية. كما يبرز اسم محمد باقر قاليباف، الرئيس الحالي للبرلمان، وهو قائد سابق في الحرس الثوري وقائد سابق لسلاح الجو فيه، ما يعكس تداخل المسارين العسكري والسياسي.
وتشمل هذه الدائرة كذلك أحمد وحيدي، الذي تولى قيادة "فيلق القدس" في بداياته قبل أن يصبح وزيراً للدفاع، إلى جانب شخصيات عسكرية مثل رحيم صفوي، المستشار العسكري البارز للمرشد، وعلي عبد اللهي في هيئة الأركان، فضلاً عن قادة ميدانيين في الوحدات الصاروخية والبحرية للحرس الثوري.
كذلك، يبرز ضمن البنية الاستراتيجية الأدميرال علي أكبر أحمديان، القيادي المخضرم في الحرس الثوري، الذي شغل مناصب رفيعة داخل الهيكل العسكري، بينها رئاسة هيئة الأركان المشتركة للحرس، إضافة إلى أدوار تخطيطية استراتيجية. ويشغل حالياً موقعاً مرتبطاً بمؤسسات الدفاع العليا، إلى جانب تمثيله للمرشد في مجلس الدفاع، ما يمنحه حضوراً مؤسسياً مباشراً داخل منظومة القرار الأمني المرتبطة بالقائد الأعلى.
هذه التركيبة تعكس حقيقة أساسية. القرار في إيران، وخصوصاً في زمن الحرب، لا يصنعه السياسيون التقليديون بقدر ما تصوغه نخبة أمنية-عسكرية ذات خبرة طويلة في إدارة الصراعات.

اغتيالات وتفكك سياسي... صعود العسكر
زاد من تعقيد المشهد مقتل شخصيات محورية داخل النظام، كان أبرزها علي لاريجاني، أحد أكثر السياسيين نفوذاً في الجمهورية الإسلامية، والذي شغل سابقاً رئاسة البرلمان، وتولى أدواراً أمنية وديبلوماسية حساسة، بينها أخيراً أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي.
بحسب التقديرات، فإن غياب لاريجاني الذي كان يمثل حلقة وصل بين التيارات السياسية والمؤسسة العسكرية، قد سرّع من انتقال مركز الثقل نحو العسكريين. هذه التطورات تعني مزيداً من العسكرة داخل بنية النظام، مع ترجيح توسع نفوذ الحرس الثوري.
هذا التحول لا يرتبط فقط بالأفراد، بل ببنية النظام نفسها، التي تبدو أقل قدرة اليوم على إنتاج توازن بين جناحيها السياسي والعسكري، كما كانت الحال في مراحل سابقة.
الحرس الثوري... من لاعب إلى صاحب القرار
تأسس الحرس الثوري الإيراني عام 1979 كقوة موازية للجيش، بهدف حماية النظام الجديد. لكنه تحوّل مع الوقت إلى مؤسسة متعددة الأدوار، تمتد من العمل العسكري إلى الاقتصاد والسياسة والإعلام.
اليوم، تشير العديد من التقديرات إلى أن الحرس لم يعد مجرد لاعب مؤثر، بل بات الجهة الأكثر نفوذاً في إدارة الدولة. فمع تراجع حضور النخبة السياسية، إما بسبب ظروف الحرب أو الاغتيالات، يملأ الحرس هذا الفراغ، متحكماً في مسارات القرار، من إدارة الحرب إلى تحديد العلاقات الإقليمية.
ويعكس وجود قيادات عسكرية سابقة داخل مواقع تشريعية أو استشارية عليا، مثل رضائي وقاليباف وصفوي، استمرار تمدد النفوذ العسكري داخل مؤسسات الحكم.
بين النظرية والواقع
نظرياً، لا يزال النظام الإيراني قائماً على توازن بين مؤسسات منتخبة وأخرى غير منتخبة، وعلى رأسها موقع المرشد. لكن واقع الحرب يكشف أن هذا التوازن يتآكل تدريجياً، لمصلحة مركز قرار أكثر صلابة، تقوده النخبة العسكرية.
وفي هذا السياق، تبدو القرارات الكبرى مرتبطة بدرجة كبيرة بتقديرات هذه النخبة، لا سيما في ما يتعلق بحسابات الصمود، وإدارة التصعيد، ومخاطر الإنهاك الداخلي.
الإجابة عن سؤال "من يحكم إيران في زمن الحرب؟" لم تعد بسيطة كما كانت في السابق. فالمرشد لا يزال يمسك بالشرعية الدستورية، لكن الحرس الثوري بات يمتلك الثقل الفعلي في إدارة الدولة، خصوصاً في زمن الأزمات.
وبين الاثنين، تقف حلقة ضيقة من القادة العسكريين والسياسيين، تدير المشهد وفق حسابات البقاء أولاً. وفي ظل استمرار الحرب، يبدو أن الكفة تميل أكثر فأكثر نحو العسكر، في نظام يتجه تدريجياً من "دولة ثورية" إلى منظومة تتقدم فيها المؤسسة العسكرية في صناعة القرار الاستراتيجي.
نبض