الحرب على إيران: بين التصعيد المفتوح وسيناريوات النهاية

ايران 14-03-2026 | 06:21

الحرب على إيران: بين التصعيد المفتوح وسيناريوات النهاية

كيف يمكن أن تنتهي الحرب؟
الحرب على إيران: بين التصعيد المفتوح وسيناريوات النهاية
ضابط من الأمن الإيراني بجوار لوحة إعلانية ضخمة للمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي خلال مسيرة يوم القدس. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تبدو المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أقرب إلى اختبار استراتيجي طويل الأمد منه إلى عملية عسكرية تقليدية ذات بداية ونهاية واضحة. فالمعركة لا تدور فقط حول قدرات عسكرية محددة، بل حول شكل التوازن الإقليمي، وحدود النفوذ، وتعريف "النصر" نفسه. ومع تداخل الحسابات الميدانية بالسياسية والاقتصادية، يصبح مستقبل الحرب مفتوحاً على مسارات متعددة، لا يستبعد أحدها الآخر، بل قد يتقاطع بعضها مع بعض.

 

قاذفة قنابل أميركية من طراز B-1 لانسر تستعد للإقلاع من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد. (أ ف ب)
قاذفة قنابل أميركية من طراز B-1 لانسر تستعد للإقلاع من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد. (أ ف ب)

 

أولاً: سيناريوات تطور الحرب
يمكن تمييز أربعة مسارات رئيسية لتطور الصراع، تختلف في طبيعتها ونتائجها.

1- إدارة الصراع ضمن سقف محدود
في هذا السيناريو، تستمر العمليات العسكرية، لكن ضمن حدود محسوبة. يتم تبادل الضربات لاستهداف قدرات عسكرية محددة، مع تجنب خطوات كبرى مثل التدخل البري أو توسيع جميع الجبهات بصورة كاملة.
هذا النمط يقوم على "الردع المتبادل"، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه التفاوضي دون كسر التوازن العام. خطورته تكمن في هشاشته؛ إذ إن أي خطأ تقدير قد يحول التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع.

2- ضربة حاسمة لإضعاف القدرات الاستراتيجية
يرتكز هذا المسار على محاولة تحقيق إنجاز عسكري كبير يُحدث تغييراً ملموساً في ميزان القوى، عبر استهداف البنى التحتية الحساسة، مثل المنشآت النووية أو البنية القيادية الجديدة في إيران.
الهدف هنا ليس الاستنزاف، بل إحداث صدمة سريعة تدفع الخصم إلى تغيير سلوكه أو العودة إلى التفاوض من موقع أضعف.
لكن هذا الخيار، حتى لو نجح عسكرياً، لا يضمن بالضرورة نتائج سياسية دائمة، لأن الأنظمة المؤسسية قد تعيد إنتاج قدراتها بمرور الوقت.

3- حرب استنزاف طويلة الأمد
هنا تتحول المواجهة إلى صراع إرادات ممتد، يهدف فيه كل طرف إلى إنهاك الآخر اقتصادياً ونفسياً وعسكرياً.
في هذا السيناريو، لا يكون الحسم أولوية فورية، بل يصبح الهدف إطالة أمد الضغط لإضعاف القدرة على الاستمرار.
الخطر الأكبر يكمن في التدرج نحو قرارات أكثر تطرفاً إذا شعر أحد الأطراف أن بقاءه أو موقعه الاستراتيجي مهدد، ما قد يدفع إلى توسيع نطاق العمليات أو تغيير قواعد الاشتباك.

4- توسع إقليمي إضافي عبر الساحات الفرعية
قد لا تبقى المواجهة محصورة بين طرفين مباشرين، بل تمتد إلى ساحات مرتبطة بالصراع، مثل لبنان أو العراق أو اليمن، إضافة إلى الممرات البحرية الحيوية.
في هذا السيناريو، يصبح التفاعل بين الجبهات عاملاً أساسياً، حيث يمكن لأي تصعيد موضعي أن يفتح سلسلة ردود متبادلة.
هذا الاحتمال يرفع مستوى المخاطر على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والملاحة الدولية.
وتتصاعد احتمالات هذا السيناريو بشكل كبير، خاصة بعد احتدام القتال بين إسرائيل و"حزب الله"، وتصاعد عمليات الفصائل المسلحة في العراق ضدّ المصالح الأميركية، والرد الأميركي بقصف مقرات الحشد الشعبي. إضافة إلى إمكانية تدخل الحوثيين على خط الحرب بالتنسيق مع طهران، وهذا ما ألمح إليه زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي لدى قوله إن "يدنا على الزناد".

 

دمار جراء غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت. (أ ف ب)
دمار جراء غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت. (أ ف ب)

ثانياً: كيف يمكن أن تنتهي الحرب؟
إذا كان التطور مفتوحاً، فإن مسارات النهاية بدورها متعددة، ويمكن تلخيصها في خمسة احتمالات رئيسية:

1- تسوية تفاوضية مشروطة
قد تستخدم العمليات العسكرية كأداة ضغط للدفع نحو اتفاق جديد، يحدد قيوداً أكثر صرامة على البرنامج النووي أو القدرات العسكرية، مقابل تخفيف  أو إنهاء التصعيد.
هذا الخيار يفترض وجود قنوات اتصال فعالة واستعداداً متبادلاً للتنازل ضمن حدود واضحة. في هذا النموذج، لا تنتهي الحرب بانتصار كامل، بل بإعادة ضبط قواعد اللعبة.
لكن حتى الآن، ليس هناك أرضية واضحة لهكذا سيناريو، بل يمكن القول إن قنوات التواصل مقطوعة، وكلّ من الجانبين يصرّ على تحقيق "نصر" واضح بإجبار الآخر على وقف الحرب.

2- إعلان تحقيق أهداف محددة والانسحاب
قد يعتبر أحد الأطراف، مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن إنجازات عسكرية معينة كافية لتحقيق الهدف، ثم يعلن انتهاء العمليات بشكل مفاجئ.
هنا يكون التعريف ضيقاً للنصر: تعطيل قدرات محددة، أو تحقيق ردع واضح، دون السعي لتغيير جذري في النظام السياسي.
يؤفّر هذا السيناريو مخرجاً سريعاً، لكنه لا يعالج جذور التوتر، ما يترك احتمال عودة المواجهة مستقبلاً.

3- تغيير سياسي داخلي
يمثّل هذا المسار التحول الأكثر طموحاً وتعقيداً.
في هذا السياق، تُظهر المعطيات أن الرهان الأميركي–الإسرائيلي لم يقتصر على الضغط العسكري الخارجي، بل تقاطع مع محاولة إحداث تغيير داخلي في إيران. ويقوم هذا التصور على تشجيع ديناميات احتجاجية داخلية قد تتوسع إذا ترافقت مع ضغط عسكري مستمر. كما تُطرح ضمن النقاشات العسكرية فكرة توسيع العمليات إلى مستويات أكثر تقدماً، بما في ذلك احتمال تنفيذ تحرك بري محدود، إذا تطلبت المعطيات الميدانية ذلك. الهدف من هذه المقاربة، وفق هذا المنطق، هو إضعاف تماسك النظام لإسقاطه.
لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن إسقاط الأنظمة لا يضمن تلقائياً استقراراً فورياً، بل قد يؤدي إلى فترات اضطراب طويلة، وهذا ما قد يؤثر على الأمن الإقليمي لفترة طويلة. عدا عن أنّ هذا السيناريو لم يجد طريقه نحو التحقق حتى الآن.

4- خفض التصعيد دون اتفاق شامل
قد تتوقف العمليات الكبرى من دون توقيع تسوية نهائية.
في هذه الحالة، يتم تثبيت خطوط ردع جديدة، مع الإبقاء على حالة توتر منخفضة.
هذا الخيار يسمح لكل طرف بإعلان نوع من النجاح، لكنه يترك الملف مفتوحاً على احتمالات مستقبلية.

5- تسوية مفاجئة أو إعادة تعريف كاملة للأهداف
أحياناً تتغير الحسابات بسرعة بفعل ضغوط داخلية أو خارجية، اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.
قد يدفع ذلك إلى قرار سريع بوقف العمليات أو إعادة صياغة الأهداف.
هذا النوع من النهايات لا يكون دائماً نتيجة حوار طويل، بل أحياناً نتيجة توازنات جديدة تفرض نفسها.

 

لوحة إعلانية تعرض صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رسالة شكر له، في تل أبيب. (أ ف ب)
لوحة إعلانية تعرض صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رسالة شكر له، في تل أبيب. (أ ف ب)

 

الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية
لا يمكن فصل مسار الحرب عن تداعياتها على الاقتصاد العالمي.
فالأسواق تراقب التطورات عن كثب، وأسعار الطاقة والملاحة الدولية تتأثر مباشرة بأي تصعيد.
كلما طال أمد الصراع، زادت كلفته ليس فقط على الأطراف المباشرة، بل على النظام الاقتصادي العالمي ككل.
وهذا العامل قد يصبح جزءاً أساسياً من حسابات إنهاء الحرب، وليس مجرد نتيجة جانبية لها.

 

الحسم معقّد

في المحصلة، الحرب على إيران لا تبدو صراعاً له مسار واحد أو نهاية محددة سلفاً. فهي تتحرك بين تصعيد مضبوط، وضربات حاسمة، واستنزاف طويل، واتساع إقليمي يعيد رسم المشهد بالكامل. وبالمثل، تتعدد احتمالات النهاية بين تسوية سياسية، أو إعلان انتصار محدود، أو تغيير داخلي، أو خفض للتصعيد دون اتفاق شامل.
غير أن القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات هو أن الحسم الكامل يظل معقداً، وأن أي نهاية مستدامة ستحتاج إلى صيغة توازن جديدة تتجاوز منطق المواجهة المباشرة. فالحروب في البيئات الإقليمية المتشابكة لا تُقاس فقط بنتائج المعارك، بل بقدرتها على إنتاج استقرار طويل الأمد. وحتى تتبلور هذه الصيغة، سيبقى الصراع مفتوحاً على احتمالات متعددة، بانتظار لحظة تلتقي فيها الإرادة السياسية مع معطيات الواقع.