الحرب الفسيفسائية والاستنزافية: الاستراتيجية الدفاعية لإيران

ايران 10-03-2026 | 17:30

الحرب الفسيفسائية والاستنزافية: الاستراتيجية الدفاعية لإيران

قامت طهران في بداية الحرب بتفعيل عقيدة الحرب الفسيفسائية والاستنزافية التي كانت قد صممتها منذ سنوات.
الحرب الفسيفسائية والاستنزافية: الاستراتيجية الدفاعية لإيران
إيرانيون يحملون علم بلادهم خلال توجههم إلى تجمع لدعم المرشد الأعلى الجديد في ساحة انقلاب، وسط طهران. (أ ف ب)
Smaller Bigger

على رغم مرور عشرة أيام على الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران، واستهداف نحو أربعة آلاف موقع عسكري وأمني، والأهم من ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، فإن القدرة الدفاعية والهجومية للجمهورية الإسلامية لم تشهد تراجعاً كبيراً حتى الآن. ويقول مسؤولون إيرانيون إنهم مستعدون لمواصلة هذه المواجهة لعدة أشهر.


ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أنّ التصريحات الحماسية والمتكررة للمسؤولين الإيرانيين ليست واقعية بالكامل، بل تؤدي دوراً ردعياً وتهدف إلى رفع معنويات الشعب. في المقابل، يرى متخصصون في الشؤون العسكرية أنّ صمود إيران يرتبط بعامل آخر، وهو اعتماد استراتيجية عسكرية تُعرف باسم الحرب الفسيفسائية.



القيادة اللامركزية: قلب الاستراتيجية الفسيفسائية
يمكن القول إن إيران، قبل اندلاع الحرب، كانت على علم بالتفوق العسكري للولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً في المجالين الجوي والاستخباراتي، وكانت تتوقع أن يؤدي هذا التفوق إلى مقتل عدد من القادة العسكريين الإيرانيين الكبار أو حتى جميعهم. وبناءً على ذلك، قامت طهران بتفعيل عقيدة الحرب الفسيفسائية والاستنزافية التي كانت قد صممتها منذ سنوات.


إن الدفاع الفسيفسائي الإيراني، المصمم لخوض حرب شاملة مع الولايات المتحدة، يقوم على جانبين رئيسيين: القيادة والعمليات.


على مستوى القيادة، تقوم هذه العقيدة على منح أكبر قدر ممكن من الصلاحيات للقيادات الإقليمية والقواعد العسكرية والمستويات المختلفة، مع تمكينها من تنفيذ العمليات القتالية بشكل مستقل.


الميزة الأساسية لهذه الاستراتيجية هي أنّها تُخرج القوات المسلحة الإيرانية من التسلسل الهرمي العمودي التقليدي للقيادة، وتحوّل الأراضي الإيرانية إلى ما يشبه قطع فسيفساء منفصلة؛ بحيث إن فقدان بعض هذه القطع نتيجة مقتل قادة كبار، حتى القائد العام للقوات المسلحة، لا يؤدي إلى انهيار كامل للهيكل الدفاعي أو الدولة، لأن القوات الميدانية تواصل عملياتها استناداً إلى خطط مُعدة مسبقاً أو تعليمات عامة تلقتها من قبل.


غير أنّ الخطر الكبير في هذه الاستراتيجية يتمثل في التأخر في تنفيذ أوامر القيادة العليا في مسائل مثل إعلان وقف إطلاق النار أو وقف الهجمات، إذ إن الخلايا الدفاعية المتعددة، التي تربطها علاقات أفقية في ما بينها، لا تتمتع بسرعة كافية في تلقي الأوامر من المستويات الأعلى.


وقد ظهر هذا الخطر في مثالين: ففي حرب الأيام الاثني عشر التي وقعت في حزيران/يونيو الماضي، وعلى رغم إعلان وقف النار، أُطلقت عدة صواريخ باتجاه إسرائيل. كما أنه في الحرب الأخيرة، وعلى رغم إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقف إطلاق الصواريخ نحو دول الخليج، واصلت القوات المسلحة هجماتها، إلى درجة أنه اضطر بعد 24 ساعة إلى التراجع عن موقفه.



البنية العملياتية متعددة الطبقات
إلى جانب مستوى القيادة، تقوم العقيدة الفسيفسائية الإيرانية على المستوى العملياتي أيضاً على تصميم بنية دفاعية متعددة الطبقات، تتضمن منظومة مركبة من الألغام البحرية والغواصات والصواريخ المضادة للسفن والزوارق الهجومية السريعة، وأنظمة الدفاع الجوي في مضيق هرمز الاستراتيجي والمياه المحيطة به.

 

وفي هذا التصميم لا يكون الهدف الرئيسي إغراق حاملة طائرات أميركية أو تدمير الطائرات الإسرائيلية، بل تحويل مضيق هرمز إلى بيئة غير آمنة وخطرة، من دون أن تعلن إيران رسمياً إغلاق المضيق. لقد زرعت طهران كميات كبيرة من الألغام البحرية في الممرات الضيقة والنقاط الحساسة من المضيق، بحيث يمكن لهذه الألغام أن توقف حركة السفن وتعرقل تدفق تجارة الطاقة العالمية.


وهدف إيران ليس الانتصار في معركة كلاسيكية (سفينة في مواجهة سفينة)، بل رفع تكلفة إبقاء المضيق مفتوحاً بالنسبة للولايات المتحدة إلى درجة تجعل استمرار وجودها مستحيلاً أو غير ممكن اقتصادياً. إذ إن تطهير ممر مزروع بالألغام وغير آمن يستغرق أسابيع، وكل يوم يبقى فيه المضيق مغلقاً يوجّه ضربة بمليارات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي. ويُعدّ ارتفاع أسعار النفط خلال الأيام العشرة الأخيرة من نتائج تطبيق هذه الاستراتيجية.



الهجوم المتعدد المنصات: الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة
كذلك، تتضمّن عقيدة الدفاع الفسيفسائي الإيرانية في بعدها العملياتي جانباً هجومياً. فطهران تعلم أن الأنظمة الدفاعية للسفن الحربية الأميركية متطورة جداً، لكنها تعاني من نقطة ضعف: طاقتها الاستيعابية محدودة. وتتمثل الخطة الإيرانية في إطلاق مئات الطائرات المسيّرة الانتحارية الرخيصة والزوارق السريعة وصواريخ كروز في وقت واحد من نقاط مختلفة.


فعندما تتجه مئة مسيرة وصاروخ وزورق في الوقت نفسه نحو سفينة حربية، لا تستطيع رادارات السفينة أن تُثبّت عليها في آن واحد. وحتى لو دمّرت 90 هدفاً، فإن الأهداف العشرة المتبقية تكفي لإلحاق أضرار جسيمة بالسفينة، وهو ما يعني انتصاراً منخفض التكلفة في مواجهة دفاع مرتفع التكلفة.


أما الجانب الآخر من البعد الهجومي في هذه العقيدة فيرتبط بقدرة إيران على نقل منصات إطلاق الصواريخ، إذ تستخدم مواقع سرية ومخفية داخل الجبال، متصلة بعضها ببعض، لإطلاق الصواريخ، بحيث ما إن يُطلَق صاروخ حتى تتحرك منصة الإطلاق فوراً عبر الأنفاق وتعود إلى أعماق الأرض. وهذا يعني أن الولايات المتحدة، لكي تدمر هذه المنصات، ستحتاج إلى تدمير سلسلة جبلية كاملة لتتمكن من وقف عمليات الإطلاق، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً عملياً.

 

آثار الصواريخ في السماء فوق مدينة نتانيا الإسرائيلية. (أ ف ب)
آثار الصواريخ في السماء فوق مدينة نتانيا الإسرائيلية. (أ ف ب)

 

خيارات الولايات المتحدة
ولمواجهة استراتيجية "اطلق واهرب"، تُضطر الولايات المتحدة إلى مراقبة كامل الشريط الساحلي الجنوبي لإيران على مدار الساعة، مستخدمة مئات الطائرات الاستطلاعية لرصد أي حركة على الأرض، حتى لو كانت مجرد تحرك لشاحنة عادية.
وفي هذا السيناريو، يتم استهداف أي مركبة أو وحدة يُشتبه في أنها تحمل صواريخ قبل أن تتمكن من إطلاقها، ما يعني أن سماء جنوب إيران تصبح عملياً تحت سيطرة القوة الجوية الأميركية.


وإذا توصلت الولايات المتحدة إلى نتيجة مفادها أنها لا تستطيع إسقاط الصواريخ في الجو بسبب كثرتها ورخص تكلفتها، فإن الخيار الوحيد المتبقي  يكون تدمير الصواريخ على الأرض وفي مخازنها.


ولتدمير هذه المخازن، ستضطر الولايات المتحدة إلى استخدام قنابل خارقة للتحصينات تزن عدة أطنان، وهي مخصصة لضرب الأهداف الموجودة تحت الأرض. لكن استخدام هذه القنابل يواجه قيوداً، إذ إن الجبال تعمل كدرع طبيعي؛ فارتطام القنبلة بالصخور الصلبة يستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها قبل أن تصل إلى الهدف الأساسي.


ورغم النجاح النسبي لاستراتيجية الدفاع الفسيفسائي الإيرانية، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أعلنتا، لا تنويان التراجع عن تحقيق أهدافهما، ولا تزال هجماتهما الجوية مستمرة. وإذا تمكنتا من خلال هذه الهجمات من إضعاف البنية الأمنية في إيران بشكل كبير ودفع المحتجين إلى النزول إلى الشوارع، فمن غير الواضح ما إذا كان الهيكل الفسيفسائي، بوصفه بنية دفاعية وعسكرية، قادراً على منع انهيار النظام السياسي، وهو الهدف الأساسي لخصوم الجمهورية الإسلامية.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان 3/9/2026 1:43:00 AM
عند سؤاله إن كان ثمة مبادرة جدية مطروحة، قال سلام إنه لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حتى الآن، لكن هناك أفكاراً مطروحة، خصوصاً من الجانب الفرنسي.