ارتفاع النفط يمنح موسكو فرصة… هل تعود واشنطن إلى الخام الروسي؟
في مفارقةٍ لافتة، تبدو روسيا، الحليفة التقليدية لطهران، من أكبر المستفيدين من الحرب الدائرة ضدها. فمع اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط، لمّحت واشنطن إلى احتمال اللجوء إلى النفط الروسي لزيادة المعروض في الأسواق. فهل يفتح ذلك باب تفاهماتٍ جديدةً بين الخصمين؟
دافع مسؤولو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرار رفع بعض العقوبات المفروضة على النفط الروسي موقتاً، وتوقعوا عدم استمرار الزيادة الحادة في أسعار البنزين الناتجة من الحرب مع إيران سوى أسابيع قليلة. وخلال مقابلات مع برامج حوارية تلفزيونية عدة، قال وزير الطاقة كريس رايت والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتس إن الإعفاء الذي صدر الأسبوع الماضي للسماح للهند بشراء النفط الروسي سيخفف الضغط على السوق العالمية.
حافظت موسكو على علاقات وثيقة مع طهران، وأدانت الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. ورغم احتمال خسارة حليف مهم في المنطقة، يرى محللون أن الحرب قد تخدم المصالح الروسية على المدى القصير. فارتفاع أسعار الطاقة يعزز إيرادات موسكو، كما أن انشغال العالم بالأزمة الإيرانية يصرف الأنظار عن الحرب في أوكرانيا ويخفف الضغوط السياسية عليها.
وافقت واشنطن على السماح لمصافي التكرير في الهند باستئناف شراء النفط الروسي. وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية إعفاءً موقتاً يتيح للمصافي الهندية شراء شحنات النفط الروسي التي جرى تحميلها على الناقلات قبل الخامس من آذار/مارس، على أن يستمر الإعفاء حتى الرابع من نيسان/أبريل مع إمكان تمديده.
وجاء هذا القرار في ظل اضطراب إمدادات الطاقة العالمية عقب التوترات في مضيق هرمز، الممر الذي يعبره جزء كبير من نفط الشرق الأوسط إلى الأسواق الدولية. فعلى رغم أن المضيق لم يُغلق رسمياً، وأن طهران أعلنت عدم نيتها تعطيل الملاحة، فإن الهجمات والتهديدات التي طاولت السفن دفعت شركات الشحن إلى تجنب المرور فيه. ونتيجة لذلك، تعطل فعلياً نحو 20% من الإمدادات العالمية، ما دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2024 وأثار مخاوف من نقصٍ في السوق.
في هذا السياق، تحولت الأزمة إلى فرصةٍ لموسكو. فصادرات النفط الروسية كانت تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب العقوبات منذ غزو أوكرانيا عام 2022. وكانت الهند قد أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الروسي المنقول بحراً بعد انسحاب المشترين الأوروبيين، غير أن الضغوط الأميركية، بما في ذلك مضاعفة الرسوم الجمركية على نيودلهي، أدت إلى تراجع مشترياتها بنحو 50%.
وتسبب هذا التراجع بتراكم كمياتٍ كبيرةٍ من النفط الروسي في البحر، حيث ارتفعت المخزونات العائمة بنحو 65% لتصل إلى 140 مليون برميل، ما اضطر موسكو إلى تقديم خصوماتٍ أكبر لتصريف الشحنات، خصوصاً نحو الصين.
ومع اضطراب الإمدادات العالمية بسبب الحرب التي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، يُعد ذلك فرصة لروسيا من أجل تحقيق مكاسب مالية. فبعد أن كانت مضطرة لبيع نفطها بخصمٍ كبيرٍ نتيجة العقوبات، بدأت الأسعار تتحسن، ما قد يعزز عائداتها في وقت تراجعت فيه إيرادات النفط والغاز خلال السنوات الأخيرة.
ويقول الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور محمد موسى، لـ"النهار"، إن "المحادثات بشأن احتمال الاستعانة بالنفط الروسي قائمة بالفعل، سراً وعلناً، وقد لمّح إليها أيضاً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت". ويرى أن الإدارة الأميركية "قد لا تكتفي بالإعفاء الموقت الذي منحته إلى الهند لمدة 30 يوماً لاستيراد النفط الروسي، خصوصاً مع التعقيدات المتزايدة في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار إلى مستويات قاربت 120 دولاراً للبرميل".
ويشير إلى أن الخيارات أمام الرئيس الأميركي "أصبحت محدودة"، ما قد يدفع واشنطن إلى التفكير في العودة إلى النفط الروسي، وربما تخفيف العقوبات عنه في بعض الأسواق إذا أرادت كبح ارتفاع الأسعار. ويستشهد في هذا السياق بتحذير وزير الطاقة القطري سعد الكعبي من احتمال وصول الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل، فيما يذهب بعض بيوت الاستشارات إلى توقعات قد تبلغ 200 دولار، وهو مستوى يصعب على الاقتصاد العالمي تحمّله وقد يقود إلى تباطؤ في النمو.
ويلفت إلى أن القرار لا يرتبط بالأسعار وحدها، بل بعوامل أخرى مثل أكلاف الشحن والنقل وارتفاع علاوات المخاطر، ما يجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيداً. كما أن اتساع رقعة الحرب يزيد الضغوط على الأسواق، خصوصاً إذا امتد التهديد إلى ممراتٍ استراتيجيةٍ أخرى. فحتى الآن يتركز القلق على مضيق هرمز، لكن إغلاق باب المندب، على سبيل المثال، سيعقّد المشهد أكثر.
وفي ظل التطورات السياسية في إيران بعد اختيار مرشد جديد يُنظر إليه على أنه امتداد لنهج النظام، يرى موسى أن ترامب قد يضطر إلى فتح قنوات حوار أعمق مع موسكو للبحث عن مخارج تضمن استقرار سوق الطاقة. ويضيف أن روسيا قد تبدي مرونةً في هذا الإطار، ليس بدافع حماية الاقتصاد العالمي، بل رغبة في العودة بقوةٍ إلى الأسواق وكسر طوق العقوبات المفروض عليها منذ عام 2022، ما قد يفتح الباب أمام تفاهمات تقوم على منطق "رابح – رابح".
نبض