فريدمان لـ"النهار": إيران بعد الحرب بين احتماليْ "الجمهورية الإسلامية 2.0" والتفكّك
مع الإعلان عن اختيار مجلس خبراء القيادة الإيراني مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية بعد اغتيال المرشد علي خامنئي، تتصدّر الأسئلة حول التحوّل الأعمق في بنية النظام الإيراني نفسه ومصيره، ولا سيما بعد اعتبار الولايات المتحدة تغيير النظام هدفاً معلناً للحرب.
ويرى الكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" توماس فريدمان أن الحرب الدائرة على إيران لا تزال بلا هدف نهائي واضح، رغم الحديث المتكرر عن "نزع السلاح النووي".
ويقول فريدمان في حديث لـ"النهار" إنّ ما لا يتغيّر حتى الآن هو "شراسة الضربات الأميركية والإسرائيلية المشتركة" والتي تبدو مصمّمة لتدمير ما بقي من قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم وبرامج الصواريخ.
ويعتقد أن من الصعب تحديد مدى نجاح هذه الضربات في تحقيق أهدافها العسكرية حتى الآن، لكنّه يرجّح أنه "عندما ينقشع الدخان، ستكون إيران قد تراجعت عسكرياً تراجعاً كبيراً". أما على المستوى السياسي، فيبقى المشهد أكثر غموضاً، إذ لا يزال من غير الواضح أيّ شكل سيتخذه النظام الإيراني بعد انتهاء المواجهة.
وفي هذا السياق، يشير فريدمان إلى احتمال نشوء ما وصفه سابقاً بـ"الجمهورية الإسلامية 2.0"، أي نظام معاد تشكيله داخل إيران يتفاوض مع واشنطن بعد الحرب. ويوضح أن هذا السيناريو يقوم على فرضية أن الضربات قد تُضعف رأس النظام وتترك بقايا منه قادرة على إدارة مرحلة انتقالية.
"السؤال عندها سيكون: هل تستطيع هذه البقايا التفاوض باسم إيران؟ وإن لم يكن ذلك ممكناً، فمن سيتحدث باسمها؟"، يتساءل فريدمان، مشيراً إلى أن إيران اليوم لا تمتلك حكومة تمثّل الشعب بشكل واضح، ولا معارضة متماسكة أو زعيماً بارزاً لها.
ويرى أن الحرب قد تصل في مرحلة ما إلى نقطة يستنفد فيها الأميركيون والإسرائيليون بنك الأهداف العسكرية، ما يفرض سؤالاً عملياً: "ماذا نفعل الآن؟ لم يعد هناك الكثير مما يمكن قصفه، ومع ذلك نريد إنهاء الحرب. مع من نتحدث؟".
وفي تقديره، إن هذه اللحظة قد تفتح نقاشاً داخل النظام الإيراني نفسه، بين التيّارات الإصلاحية والمتشددة. ويقول إن شخصيات إصلاحية معروفة مثل حسن روحاني أو محمد جواد ظريف قد تجد نفسها في موقع من يقول للمتشددين إن سياساتهم قادت البلاد إلى مأزق استراتيجي كلّفها كثيراً من قدراتها العسكرية والنفوذ الإقليمي.
ومع ذلك، لا يستبعد فريدمان سيناريو أكثر خطورة يتمثل في اهتزاز مركز السلطة في إيران. فالدولة التي تضم نحو 90 مليون نسمة وتكوّنها القومي متنوّع، مع نحو 60% من الفرس مقابل أقليات عربية وأذرية وكردية وبلوشية، قد تواجه مخاطر تفكك إذا ضعف المركز السياسي. ويحذر من أن انهياراً من هذا النوع "لن يقتصر على إيران، بل سيزعزع استقرار الشرق الأوسط بأكمله".
اقتصادياً، يشير فريدمان إلى أن أحد رهانات طهران في هذه الحرب هو الضغط على الولايات المتحدة عبر أسواق الطاقة. فإيران، بحسب رأيه، تحاول تعطيل تدفق النفط ورفع أسعاره بما يؤدي إلى تضخم وضغوط اقتصادية داخل الولايات المتحدة، على أمل أن يدفع ذلك الإدارة الأميركية إلى التراجع. لكنه يلفت إلى أن الحكم على نجاح هذه الاستراتيجية ما زال مبكراً، ما لم تتطوّر الأزمة إلى تعطيل كامل لمضيق هرمز، الأمر الذي قد يؤدّي إلى أزمة طاقة عالمية.
أما دول مجلس التعاون الخليجي، فيرى فريدمان أن طهران كانت تراهن على أن يؤدي الضغط الأمني والاقتصادي عليها إلى دفعها إلى مطالبة واشنطن بوقف الحرب، غير أن النتيجة جاءت معاكسة، إذ أدت الهجمات إلى تنفير معظم جيران إيران في الخليج، حتى الدول التي كانت تربطها بها علاقات جيدة نسبياً.
وفي ما يتعلق بلبنان، يعبّر فريدمان عن أمله في نجاح الحكومة الحالية، معتبراً أن البلاد تمتلك "أفضل فرصة منذ وقت طويل" مع حكومة نواف سلام ورئاسة جوزف عون. لكنه يرى في الوقت نفسه أن لبنان ما زال رهينة "حزب الله" الذي وضع مصالح إيران فوق مصالح المجتمع الشيعي اللبناني، فـ"الحزب لم يعد يحمي لبنان من إسرائيل بقدر ما يستجلب الهجمات الإسرائيلية".
وأيّ تغيير في هذا الواقع لا يمكن أن يأتي إلا من داخل المجتمع الشيعي نفسه، لأن أي مواجهة مباشرة بين الدولة اللبنانية والحزب قد تحمل مخاطر كبيرة على تماسك الجيش والدولة، في رأي فريدمان.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، يقرّ فريدمان بأن أهداف العمليات الإسرائيلية ليست واضحة تماماً، حتى في ما يتعلق بالساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة. ويقول إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتصرّف وفق نهجه التقليدي القائم على التصعيد والتشدّد، في ظل ضغوط سياسية داخلية متزايدة. ويخلص إلى أن وقف إطلاق النار سريعاً وإجراء انتخابات في إسرائيل قد يكونان المدخل الأفضل لخفض التوتر، معرباً عن اعتقاده بأن تغيير القيادة في إسرائيل قد يكون "أفضل للمنطقة بأسرها".
نبض