شبح اليابان في حرب إيران: هل يفكّر ترامب بالنّووي التّكتيكي؟
في آب/أغسطس 1945، شهد العالم لحظة لم تعرفها البشرية من قبل: قنبلتان ذريتان تسقطان على هيروشيما وناكازاكي، ومعهما تنهار اليابان بعد سنوات من الحرب الطاحنة، لتدخل البشرية عصر الأسلحة النووية والردع المطلق. عشرات الآلاف قضوا فوراً، وآلاف آخرون ماتوا لاحقاً بسبب الإشعاع، ولا تزال آثار هذا الحدث ممتدة عبر الزمن، لتبقى صور الدمار والنكبات محفورة في الذاكرة الجماعية.
ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة أن القوة المطلقة قادرة على تغيير مجرى الأحداث بسرعة، لكنها تأتي بتكاليف كارثية لا يمكن تقديرها، وتضع العالم على مفترق طرق بين فرض السيطرة أو الانزلاق في كارثة إنسانية شاملة.

التاريخ يعود للواجهة
راهناً، وبعد تسعة أيام من بدء الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، يبدو التاريخ وكأنه يعود للواجهة، لكن في ظروف أكثر تعقيداً. إيران تواجه ضغطاً عسكرياً شديداً وفقداناً جزئياً لقدرتها على الردع التقليدي، لكنها لم تستسلم. القيادة الإيرانية تعتمد استراتيجية استنزاف محكمة، خططت لها لعقود وأطلقتها عقب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. تشمل هذه الاستراتيجية: ضرب القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، استهداف المصالح الاقتصادية لدول الخليج، قصف إسرائيل بما يتاح لها من قوة، وتهديد حركة السفن التجارية في مضيق هرمز، باستخدام أسلحتها المفضلة: الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
هذه الخطوات ليست مجرد رد فعل؛ بل تعكس قدرة إيران على المناورة للحفاظ على التوازن العسكري والإقليمي وإطالة أمد المواجهة لإحداث تأثير أكبر على خصومها.
النووي التكتيكي: آخر ورقة لترامب؟
في هذا الإطار، تبرز فرضية استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد أهداف محددة، مثل قواعد الصواريخ ومراكز القيادة والمنشآت الاستراتيجية، بما فيها النووية، كآخر ورقة محتملة للرئيس الأميركي دونالد ترامب لإجبار إيران على التراجع. الهدف النظري هو توجيه ضربة دقيقة لإضعاف القدرات العملياتية، وإرسال رسالة ردع قوية، دون تدمير شامل للمدن أو المدنيين.
لكن التاريخ يشير إلى أن الضغط العسكري وحده لا يكفي، فاليابان استسلمت بعد ضربتي هيروشيما وناكازاكي نتيجة مزيج من التدمير العسكري والانهيار الاقتصادي والضغط النفسي على القيادة. الوضع في إيران مختلف؛ فهي تخوض حرباً استعدت لها منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية بعقيدة دينية وسياسية واضحة. هذه العقيدة لا تسمح بالاستسلام، خاصة بعد التصعيد الكبير الذي بدأ مع اغتيال المرشد، ويبرز ذلك في تصريحات لمسؤولين إيرانيين بأنه لا مانع من التضحية بالملايين مقابل تحقيق "النصر الموعود"، وشخصيات موالية لطهران مثل الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم الذي قال في أحدث مثال على هذه الأيديولوجيا: "والله لو نقتل جميعاً ولا يبقى منا أحد، لن تستطيع إسرائيل أن تهزمنا"، مستلهماً مفاهيم عقائدية من واقعة كربلاء، كما غيره من رجال الدين الشيعة عبر التاريخ.

المخاطر والتداعيات المحتملة
من الناحية العسكرية، إيران ليست دولة نووية، ولذلك اعتمدت على استراتيجية استنزاف بعيدة المدى، تستهدف البنية الأمنية والاقتصادية للخصوم، وتستثمر في قدرات غير تقليدية لضرب المصالح الحيوية.
النووي التكتيكي، رغم حجمه المحدود، يحمل مخاطر إشعاعية على المدنيين، وقد يؤدي إلى ردود انتقامية مباشرة على القوات الأميركية وحلفائها، ما يزيد التعقيد العسكري والسياسي لأي تصعيد محتمل.
في المحصّلة، إنّ المقارنة بين هيروشيما وناكازاكي وإيران توضح مخاطر أي محاولة لإجبار طهران على الاستسلام بالقوة النووية، فالأسلحة غير التقليدية قد تلحق خسائر استراتيجية كبيرة، لكنها لن تضمن السيطرة على القرار الإيراني، وقد تفتح الباب لمواجهة إقليمية واسعة، مع آثار إنسانية وسياسية كارثية.
والقوة المطلقة قد تحقق أهدافاً قصيرة المدى، لكنها لا تضمن النتائج المستدامة، واللعب بورقة النووي التكتيكي في مواجهة دولة تمتلك قدرة على الرد المباشر وغير المباشر، واستراتيجية استنزاف طويلة الأمد، وعقيدة دينية صلبة، يبقى خياراً محفوفاً بالمخاطر، التي ربما تتجاوز أي حسابات استراتيجية مسبقة.
نبض