خلافة خامنئي... صراع صامت على رأس السلطة في إيران
بعد ثمانية أيام على مقتل آية الله علي خامنئي في الهجوم الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل على طهران، لا يزال منصب المرشد الأعلى في إيران شاغراً. لكن تأخر اختيار خليفة الرجل الذي حكم البلاد أكثر من ثلاثة عقود لا يعود إلى الظروف الأمنية أو التهديدات الخارجية فحسب، بل يكشف أيضاً عن صراعٍ صامتٍ يدور داخل بنية النظام نفسه.
فخلافاً لما جرى عام 1989، حين اختار مجلس خبراء القيادة خليفة روح الله الخميني خلال أقل من يوم، تبدو عملية اختيار المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية اليوم أكثر تعقيداً. إذ تتداخل فيها حسابات الحرس الثوري، ومواقف رؤساء السلطات، ورأي المؤسسة الدينية، إضافةً إلى مخاوف التيارات السياسية المختلفة من هوية الرجل الذي سيتولى هذا المنصب الحاسم.
وهكذا لم يعد السؤال المطروح في طهران من سيكون المرشد المقبل فحسب، بل أيّ توازن جديد للقوة سيولد من هذه اللحظة المفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية؟
ومن بين العوامل التي ساهمت في إبطاء عملية الاختيار أيضاً التهديدات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب باغتيال المرشد المقبل. وقد ذهب ترامب أبعد من ذلك عندما شدّد في تصريحاته الأخيرة على أن اختيار المرشد المقبل ينبغي أن يتم بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وقد أثار هذا الموقف سخرية بعض الإيرانيين الذين قالوا مازحين إن ترامب أصبح العضو التاسع والثمانين في مجلس خبراء القيادة، وهو المجلس المؤلف من 88 عضواً والمخوّل دستورياً اختيار المرشد الأعلى.
لكن التهديدات الخارجية ليست العامل الوحيد في هذا التأخير؛ فثمة تنافس خفي بين مراكز القوة السياسية والمؤسسات النافذة في البلاد حيال هوية المرشد الجديد واتجاهات المرحلة المقبلة.
وبصورة عامة يمكن حصر أبرز هذه القوى في أربع دوائر رئيسية:
1- الحرس الثوري
يقود الحرس الثوري حالياً المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن الطبيعي ألا يقبل أن يكون مجرد متفرج على عملية اختيار المرشد الثالث لإيران.
فالقادة الحاليون والسابقون للحرس الثوري باتوا لاعبين مؤثرين في الحياة السياسية الإيرانية. صحيح أن الخميني كان حريصاً خلال سنوات قيادته العشر على إبقاء الحرس بعيداً عن السياسة، إلا أن خامنئي، خلال ستةٍ وثلاثين عاماً من قيادته، شجع بقوة حضور هذه المؤسسة في المجال السياسي. وقد أدى ذلك إلى توسع نفوذ الحرس داخل مختلف مراكز القرار، من الحكومة والبرلمان إلى المؤسسات المرتبطة مباشرة بمكتب المرشد.
ومن هنا يسعى الحرس الثوري إلى الدفع بمرشحه المفضل إلى منصب المرشد. وتشير التسريبات إلى أن مجتبى خامنئي يُعد الخيار الأقرب إلى هذه المؤسسة. بل إن بعض وسائل الإعلام القريبة من الحرس تحدثت خلال الأيام الماضية، بشكل غير رسمي، عن انتخابه مرشداً، مع تأجيل الإعلان الرسمي لأسباب أمنية. كما تحدثت تقارير أن 69 عضواً من أصل 88 في مجلس الخبراء قد صوتوا لمصلحته.
ويكتسب هذا الملف حساسيةً أكبر في ظل تعرض مبانٍ تابعة لمجلس خبراء القيادة في طهران وقم خلال الأسبوع الماضي لهجمات أدت إلى تدميرها.

2- رؤساء السلطات الثلاث
أدى مقتل المرشد إلى تعزيز نفوذ رؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. فبحسب الدستور الإيراني، يشكل رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية، إلى جانب أحد أعضاء مجلس صيانة الدستور، مجلس قيادة موقتاً يتولى إدارة شؤون البلاد إلى حين انتخاب المرشد الجديد، وتكون قراراته ملزمة التنفيذ.
وتشمل مهمة هذا المجلس أيضاً تهيئة الظروف السياسية والمؤسساتية لانتخاب المرشد، الأمر الذي يجعل رؤساء السلطات الثلاث طرفاً مهماً في النقاش الدائر بشأن الأسماء المطروحة.
وتشير المؤشرات إلى أن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي — وهو نفسه أحد المرشحين المحتملين — يسعى إلى تعزيز فرصه في الوصول إلى هذا المنصب، وفي حال تعذر ذلك فإنه يميل إلى دعم علي رضا أعرافي.
في المقابل، يُعرف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بدعمه الواضح لترشيح مجتبى خامنئي، بينما يبدو أن الرئيس مسعود بزشكيان يميل إلى أسماء أخرى مثل حسن خميني أو حسن روحاني، وإن لم يتضح بعد ما إذا كان هذان الاسمان مطروحين فعلاً داخل مجلس الخبراء. وفي حال تعذر وصول أي منهما إلى المنصب، يرجح أن يفضل بزشكيان علي رضا أعرافي على مجتبى خامنئي.

3- مراجع التقليد والمؤسسة الدينية
تضم إيران نحو عشرة من مراجع التقليد الكبار وأكثر من أربعمئة ألف رجل دين، وتشكل هذه المؤسسة الدينية وزناً معنوياً وسياسياً مهماً في القرارات السيادية. وفي عملية اختيار المرشد تحديداً، لا يمكن تجاهل موقف مراجع التقليد، إذ إن معارضة أحدهم قد تضعف شرعية المرشد الجديد وتفتح الباب أمام تحدياتٍ سياسيةٍ ودينية.
ولهذا السبب تتولى لجنةً سريةً داخل مجلس خبراء القيادة، تتألف من خمسة أعضاء، مهمة التشاور مع مراجع التقليد الشيعة قبل تثبيت الأسماء النهائية للمرشحين.
وتؤكد المراجع عادةً أن المرشد يجب أن يكون مجتهداً قادراً على استنباط الأحكام الشرعية، وأن يتحلى بسمعةٍ دينيةٍ راسخةٍ والتزامٍ واضحٍ لحماية الشريعة. ومع ذلك، وبالنظر إلى طبيعة العلاقة التي حكمت علاقة خامنئي بالمراجع طوال العقود الثلاثة الماضية، فمن غير المتوقع أن يبادروا إلى معارضة أيٍ من الأسماء المطروحة حالياً. فقد تعامل خامنئي بحزم مع المراجع الذين خالفوه في الماضي، مثل آية الله منتظري وآية الله صانعي، بما حال دون تحولهم إلى مراكز معارضة مؤثرة.
4- التيارات السياسية والاجتماعية
يبدي التيار الإصلاحي في إيران قلقاً واضحاً من احتمال وصول مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره قريباً من التيار المحافظ ومتحفظاً عن أجندة الإصلاحيين. ويُعتقد أنه كان من الداعمين لحكومتي محمود أحمدي نجاد وإبراهيم رئيسي، في حين وقف موقفاً معارضاً من حكومة حسن روحاني.
ومن هنا يفضل الإصلاحيون - إن كان لهم تأثير فعلي في عملية الاختيار - أسماءً مثل محمد خاتمي أو حسن روحاني أو حسن خميني، غير أن المؤشرات تشير إلى أن حسن خميني وحده قد يكون من بين الأسماء التي يمكن طرحها للتصويت داخل مجلس الخبراء.

ويفيد بعض التقديرات بأن أحد أسباب تأخر الإعلان عن انتخاب مجتبى خامنئي يعود إلى الضغوط التي يمارسها الإصلاحيون عبر شخصيتين نافذتين في النظام، هما علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وعلي أصغر حجازي، نائب رئيس مكتب المرشد. فقد حذر هذان المسؤولان من أن بقاء النظام واستقراره قد يتطلبان اختيار شخصيةٍ لا تستفز الولايات المتحدة، وتكون قادرةً على فتح قنوات تواصلٍ أكثر هدوءاً مع الغرب.
وكان حجازي — الذي تحدثت بعض الشائعات عن مقتله في القصف الثاني لمكتب خامنئي صباح الجمعة — من أقرب المقربين إلى المرشد، لكنه، شأنه شأن لاريجاني، لم يكن على وفاق مع التيار المتشدّد. ويكفي التذكير بأن الرجلين تعرضا عام 2015 لهجمات قاسية من المتشددين بسبب دعمهما الاتفاق النووي.
في ضوء هذه التوازنات المعقدة، يبدو أن اختيار المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية لن يكون مجرد إجراءٍ دستوريٍ يتخذه مجلس خبراء القيادة، بل نتيجة مساوماتٍ وصراعاتٍ خفيةٍ بين مراكز القوة المختلفة داخل النظام.
كما أن الهجوم الحاد الذي شنه المتشددون على بزشكيان بعد نشره رسالة فيديو السبت اعتذر فيها من الدول العربية عن الهجمات العسكرية التي طاولتها، يعكس حجم التوتر داخل المشهد السياسي الإيراني، ويؤكد أن استمرار إدارة البلاد عبر مجلس قيادة موقت لن يكون خياراً قابلاً للاستمرار طويلاً.
ولهذا يرجح أن يتم حسم مسألة اختيار المرشد الجديد في وقت قريب. ومع ذلك، يبقى احتمال استهدافه قائماً أيضاً في ظل العداء المفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل واستمرار المواجهة بين الطرفين.
نبض