اعتذار بزشكيان للدول العربية لا يوقف الهجمات... و"ديبلوماسية التوسّل" تثير تساؤلات حول انقسامات في ايران
شكل اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الجوار عن الهجمات التي طالت أراضيها، خطوة غير مسبوقة فسّرها البعض على أنها ارتباك داخل القيادة الإيرانية. كما أن استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في الوقت نفسه أثار تساؤلات حول قدرة السلطة السياسية في طهران على ضبط القرار العسكري.
وجاء اعتذار بزشكيان مع استمرار الهجمات الايرانية على دول المنطقة، مما يشير إلى أن القيادة السياسية في طهران لا تستطيع ممارسة السيطرة الكاملة على القوات المسلحة الإيرانية، بحسب وكالة أسوشيتد برس، رافضاً مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة بالاستسلام.
بزشكيان هو أحد أعضاء مجلس القيادة الثلاثي الذي يشرف على إيران منذ أن بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ما ترك القيادة الإيرانية في حالة من الضعف الشديد بسبب مئات الغارات الجوية الإسرائيلية والأميركية.
أكدت الرسالة مرة أخرى على الصلاحيات المحدودة التي يمارسها قادة النظام الديني على الحرس الثوري، الذي يسيطر على الصواريخ الباليستية التي تستهدف إسرائيل ودول أخرى. كان الحرس الثوري مسؤولاً فقط أمام خامنئي، ويبدو الآن أنه يختار أهدافه الخاصة مع اتساع نطاق الصراع.
وقال بيزشكيان إن مجلس القيادة الإيراني المكون من ثلاثة أشخاص كان على اتصال بالقوات المسلحة بشأن الهجمات.
وأضاف: "يجب أن أعتذر نيابة عن نفسي للدول المجاورة التي تعرضت لهجمات من إيران. من الآن فصاعدًا، يجب ألا يهاجموا الدول المجاورة أو يطلقوا الصواريخ عليها، ما لم نتعرض لهجوم من تلك الدول. أعتقد أننا يجب أن نحل هذه المسألة بالوسائل الدبلوماسية".
وردا على الفوضى السياسية المستمرة، حض رجل الدين البارز في إيران، آية الله ناصر مكارم شيرازي، مجلس خبراء البلاد على التحرك بسرعة لتعيين زعيم أعلى جديد.
وتشير هذه الدعوات إلى أن البعض على الأقل في المؤسسة الدينية غير مرتاحين لتولي مجلس من ثلاثة أعضاء السلطة، ولو مؤقتا وفقا للقواعد الدستورية، بعد مقتل خامنئي.
وفي قراءة لاعتذار بزشكيان، قال الكاتب والإعلامي ووزير الاعلام والثقافة الاردني السابق سميح المعايطة إن الرئيس ليس صاحب قرار، فبعد الاعتذار استمر العدوان، لكن هذا يشير الى تفكك القيادة هناك، مشيرا الى أن من يحكم هو الحرس الثوري.

من جهته، قال الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد صالح صدقیان إن خطوة اعتذار بزشكيان خطوة في غاية الاهمية وفي سابقة لم تشهدها ايران .
وأشار إلى اصوات متعددة تمثل تيارات وأحزاب سياسية تستنكر الاعتذار الذي أبداه الرئيس الإيراني للدول العربية، وعلق على ذلك بالقول إنه يجب "على الداخل الايراني إطاعة الرئيس باعتباره عضو القيادة المؤقته وهو ملزم قانوناً وشرعاً لكل المواطنين الايرانيين والقوات المسلحة بكل أصنافها ولا يجوز باي مقياس من المقاييس عدم الإطاعة. وفتح مثل هذه الخلافات الداخلية لاتخدم البلد ولا تخدم المواطنين كما انها في مثل هذه الظروف لاتخدم الامن القومي الايراني" .
ولفت الى أن على الدول العربية أن "تضع الاعتذار في مكانه المناسب ولا تسيء فهمه لانه في غاية الاهمية والوقوف مع الرئيس الايراني الذي يريد ويهدف الى عودة الامن والامان والسلام ليس في ايران وانما في المنطقة بأسرها ".
من جهته، قلل راز زيمت، مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في المعهد الإسرائيلي للدراسات الأمنية وزميل باحث في مركز التحالف للدراسات الإيرانية بجامعة تل أبيب، شأن تصريحات الرئيس الإيراني، مذكراً بأن بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي أكدا الأسبوع الماضي أن إيران لا ترغب في الإضرار بعلاقاتها مع جيرانها، مشيرين إلى أن بعض عمليات الإطلاق الأخيرة لم تكن موجهة سياسياً بل نفذها الحرس الثوري.
أما وكالة الأنباء الإيرانية "رجا نيوز" المتشددة فوصفت تصريحات بزشكيان الأخيرة بأنها تمثل جوا من "الديبلوماسية التوسلية" داخل دائرة مستشاري الحكومة، وقالت: "خذوا الميكروفون من بزشكيان!". وأشارت الوكالة إلى أن خطورة كلامه كانت كبيرة لدرجة أن المتحدث باسم هيئة الأركان العامة ومستشار قائد الحرس الثوري اضطرّ للرد خلال أقل من ساعة لمحاولة تصحيح التصريحات واحتواء تبعات هذا الخطأ الكبير.
وقالت الوكالة إن اعتذار بزشكيان للدول المجاورة يُعد خطأً لا يغتفر، معتبرة أن إرسال رسائل سلام وسلبية يعادل انهيار هيبة الردع الوطنية.
كما انتقدت قرار تسليم منصة مجلس القيادة المؤقت لشخص يفتقر إلى الحد الأدنى من مهارات البلاغة ولغة الجسد المطلوبة من سياسي قوي، معتبرة ذلك سوء تقدير فادحا.
نبض