من يتولّى قيادة الحرب بعد خامنئي؟
شكّل مقتل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، تحوّلاً بالغ الحساسية في بنية النظام، وخصوصاً أنه منذ تولّيه منصب القيادة عام 1989، عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، كان يمسك بكل مفاصل القرار السياسي والعسكري والأمني، بصفته القائد العام للقوات المسلحة وصاحب الكلمة الفصل في شؤون الدولة. ومدى 36 عاماً، رسّخ خامنئي نموذج حكم يقوم على مركزية القرار وتداخل السلطات تحت إشرافه المباشر، ما جعله الركيزة الأساسية للنظام في السلم والحرب على حد سواء.
فوفقاً للدستور، لم تكن القوات العسكرية والأمنية والسلطة القضائية وحدها خاضعة لسلطته، بل أحكم تدريجاً، وخصوصاً خلال العقد الأخير، سيطرته أيضاً على السلطتين التنفيذية والتشريعية، بحيث باتت عملية صنع القرار تدور عملياً في فلكه. وحتى السبت 28 شباط/فبراير 2026، حين قُتل في الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، كان خامنئي يحدّد السياسات العامة للجمهورية الإسلامية ويشرف مباشرة على تنفيذها عبر شبكة مؤسسات مترابطة. وخلال هذه العقود الأربعة أثبت عملياً أن أي مسؤول لا يلتزم خطه السياسي يُقصى ويُهمَّش، وهي سياسة طاولت حتى بعض رؤساء الجمهورية السابقين، رغم رفضه وصف هذا النهج بالدكتاتورية، واعتباره إياه واجباً شرعياً وقانونياً لحماية مبادئ الثورة الإسلامية.
وفي القضايا العسكرية والحربية والسياسة الخارجية، كانت مركزية القرار أكثر وضوحاً، إذ كانت جميع الأجهزة ملزمة التحرك ضمن الإطار الذي يرسمه. وشكّلت ملفات مثل السياسة النووية الإيرانية، وموقف الجمهورية الإسلامية من الولايات المتحدة وإسرائيل، أبرز تجليات هذا النهج الذي استمر حتى اللحظة الأخيرة من حياته. ويمكن القول إن خامنئي فقد حياته نتيجة تمسكه بهذه السياسات. وقد أطلق عليه مؤيدوه لقب "القائد الشهيد".
الفراغ الدستوري وآلية انتقال الصلاحيات
يطرح غياب خامنئي، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، سؤالاً جوهرياً حيال الجهة التي تتولى قيادة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ فمن يدير العمليات العسكرية الواسعة ضد إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج؟ ومن يتخذ القرارات المصيرية في هذه المرحلة الحساسة؟
من الناحية القانونية، تنص المادة 111 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أنه في حال وفاة القائد أو عزله، وحتى انتخاب قائد جديد، تُنقل صلاحياته كاملة إلى مجلس موقت يتألف من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور يُختار من مجمع تشخيص مصلحة النظام.
وفي الأول من آذار/مارس، أي غداة مقتل خامنئي، عُقدت الجلسة الأولى لهذا المجلس بحضور مسعود بزشكيان، وغلام حسين محسني إيجئي، وعلي رضا أعرافي. غير أن طبيعة الحرب والتهديدات الأمنية تجعل من الصعب أن يؤدي هذا المجلس دوراً مباشراً في إدارة التفاصيل العسكرية اليومية، رغم أن إعلان الحرب والسلم يندرج قانوناً ضمن صلاحياته.

القيادة العملياتية وإدارة الميدان
على المستوى التنفيذي، تشير المعطيات إلى أن خامنئي كان قد وضع، قبل مقتله، خطوطاً عريضة لكيفية الردّ على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي، بل صرّح علناً بأن اندلاع الحرب سيؤدي إلى تمددها إقليمياً. ويُنظر إلى قصف بعض الدول العربية بالصواريخ في الأيام الأخيرة باعتباره تطبيقاً عملياً لتلك الرؤية المعلنة.
وفي أول قراراته، عيّن مجلس القيادة اللواء أحمد وحيدي، الذي شغل سابقاً منصب نائب القائد العام للحرس الثوري، قائداً عاماً للحرس بعد مقتل محمد باكبور. ويتولى وحيدي حالياً الدور العملياتي الأبرز في إدارة المعركة.
كذلك، أدى مقتل رئيس هيئة الأركان العامة وعدد من معاونيه إلى إعادة ترتيب القيادة العسكرية، إذ يُعدّ اللواء علي عبد اللهي، بصفته قائد مقر خاتم الأنبياء للدفاع الجوي، ثاني أعلى مسؤول عسكري حالياً، ويتحمل مسؤوليات أساسية في إدارة الجوانب اللوجستية والدفاعية للحرب.
مركز التنسيق السياسي والعسكري
يبقى علي لاريجاني، بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الشخصية الأكثر تأثيراً من حيث التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية. فموقعه يمنحه سلطة إشرافية على مجمل أجهزة الدولة المعنية بالحرب، كما أن خلفيته العسكرية وخبرته التنفيذية الطويلة تعززان حضوره في رسم السياسات. وتشير مواقفه العلنية، ولا سيما منها تأكيده على الانتقام ورفض استئناف المفاوضات مع واشنطن، إلى أنه يتصدر حالياً مشهد اتخاذ القرار.
وتفيد تقارير غير رسمية، نُشرت قبل اندلاع الحرب، بأن خامنئي أوعز، عند الضرورة، إلى أن تُدار أي مواجهة محتملة تحت إشراف لاريجاني.
أما على المستوى غير الرسمي، فيبرز دور رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف الذي يتمتع بتاريخ عسكري طويل، إذ يُعدّ من قادة الحرس الثوري الكبار سابقاً وشغل مناصب عدة منها قائد سلاح الجو في الحرس وقائد الشرطة الإيرانية، ولعب دوراً مهماً في القرارات العسكرية منذ حرب الـ 12 يوماً في حزيران/يونيو الماضي، إضافة إلى موقعه الدستوري، ما يتيح له التأثير في مسار القرارات الكبرى.
ويبقى مصير حجة الإسلام علي أصغر حجازي، أحد أقرب مساعدي خامنئي، غير واضح حتى الآن. وإذا كان لا يزال على قيد الحياة، فمن المرجح أن يحتفظ بدور مؤثر في دوائر القرار، نظراً إلى موقعه السابق وقربه من مركز السلطة.
نبض