يحبس العالم أنفاسه فيما يراقب الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في جنيف. بين حديث عن تقدّم ملحوظ في المحادثات وتقديرات معاكسة ترجّح الانهيار، تتضارب الروايات، ويبرز سؤال جوهري: هل تنهار المفاوضات؟
تحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس، عن تحقيق "تقدم جيد" في الجولة الثالثة من المباحثات مع الولايات المتحدة. كذلك، أعلن وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي أن الجولة الثالثة من المباحثات انتهت بتحقيق "تقدم مهم"، وستليها مباحثات تقنية في فيينا الأسبوع المقبل.
أما يوم الجمعة، فبرزت تسريبات وتصريحات تعاكس ذلك، حتى إن عراقجي حثّ واشنطن على التخلي عما وصفه بـ"المطالب المبالغ فيها" من أجل التوصل إلى اتفاق. كذلك، نقل موقع "أكسيوس" عن مصدر مطلع قوله إن الجانب الأميركي شعر بـ"خيبة أمل" إزاء المواقف الإيرانية خلال الجلسة الصباحية من المفاوضات.
إسرائيلياً، نقلت "القناة 13" تقديرات تفيد بأن الفجوات بين الولايات المتحدة وإيران في محادثات جنيف "لا يمكن تضييقها"، مما يرجّح فشل المسار التفاوضي. وفي السياق ذاته، عنونت "يديعوت أحرونوت" بأن الاستعدادات للهجوم تتسارع ميدانياً، في وقت يُتداول فيه إعلامياً عن تقدّم بالمفاوضات، مع ترجيح إسرائيلي لانهيارها.
أما "القناة 14" الإسرائيلية فنقلت عن ساجيف أسولين، المسؤول السابق في الموساد، قوله إن "قراراً استراتيجياً بتغيير وجه الشرق الأوسط اتُّخذ خلف الكواليس"، معتبراً أن الهدف الأميركي تحوّل من احتواء البرنامج النووي إلى إسقاط النظام، وأن نقطة التحوّل جاءت بعد زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى واشنطن.
يقول كبير الباحثين والرئيس السابق في معهد الشرق الأوسط الدكتور بول سالم، لـ"النهار"، إنه "لا توجد معرفة يقينية بما يدور داخل غرف التفاوض"، لكنه يعتبر أن "أمراً جدياً يحدث في هذه المفاوضات"، مع وجود مؤشرات على تقدّم نسبي، حتى وإن لم يؤدِّ بالضرورة إلى اتفاق نهائي.
ويرى سالم أن تكرار الاجتماعات والأجواء العامة الصادرة عن الطرفين تعطي انطباعاً بأن النقاش حول الملف النووي يتم بجدية. وفي هذا السياق، يلفت إلى أن الطرفين "محشوران" سياسياً.
ويعتقد سالم بأن المؤسسة العسكرية الأميركية أوضحت لترامب أن أيّ ضربة عسكرية لن تكون سهلة أو بلا كلفة. فرغم قدرة واشنطن على إلحاق ضربة موجعة، تبقى هناك مجازفة حقيقية بإمكان تعرّض مواقع أو قوات أميركية لخسائر. لذلك، يفضّل ترامب خيار الاتفاق على خيار الحرب.
أما بشأن التنازلات الإيرانية، فيشير سالم إلى أن طهران قد تحافظ على مستوى محدود جداً من التخصيب "لحفظ ماء الوجه"، ضمن إطار لا يشكّل خطراً نووياً، وبصيغة مفتوحة الأمد لا ترتبط بسقف زمني كما كان الحال في اتفاق إدارة أوباما. كما لا يستبعد أن تشمل المباحثات ملفات اقتصادية، ولا سيما النفط والغاز، إلى جانب نقاشات بشأن خفض الأعمال العدائية في مرحلة معينة، بما قد يخلق مصالح مشتركة.

وفي التفاصيل، يريد ترامب أن توقف إيران تماماً تخصيب اليورانيوم، وأن تتراجع عن برنامجها للصواريخ بعيدة المدى ودعمها للجماعات المسلحة الإقليمية. أما إيران فتقول إنها ستناقش القضايا النووية فقط، وتؤكد أن برنامجها النووي لأغراض سلمية بحتة، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".
ولا يزال الطرفان بعيدين عن التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الرئيسية، بحسب "وول ستريت جورنال"، في حين زادت أميركا الضغط من خلال طرح مطالب صارمة. قال المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إن إيران يجب أن تدمر مواقعها النووية الثلاثة الرئيسية في فوردو ونطنز وأصفهان، وأن تسلّم كل ما تبقى لديها من يورانيوم مخصّب إلى الولايات المتحدة. وقالوا أيضاً إن أي اتفاق نووي يجب أن يكون دائماً، وألا يتضمن بنوداً تنتهي صلاحيتها تدريجياً كما حدث في الاتفاق المبرم خلال إدارة أوباما.
من جهتها، رفضت إيران فكرة نقل مخزوناتها من اليورانيوم إلى الخارج، كما اعترضت على إنهاء التخصيب وتفكيك منشآتها النووية وفرض قيود دائمة على برنامجها، حسبما أفادت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية وأشخاص مطّلعون على المحادثات.
تصرّ إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم، لكنها تطرح مقترحات لتهدئة الولايات المتحدة. وتشمل هذه المقترحات خفض التخصيب إلى 1.5% من 60% حالياً، ووقف التخصيب لعدة سنوات، أو معالجته من خلال اتحاد عربي - إيراني، مقرّه في إيران. المناقشات افتراضية، لأن برنامج إيران النووي دمّر إلى حدّ كبير بسبب حرب حزيران/يونيو مع إسرائيل والولايات المتحدة.
تضغط الولايات المتحدة من أجل التخصيب الصفري. لكن فريق التفاوض الأميركي قد يكون منفتحاً على السماح لإيران بإعادة تشغيل مفاعل نووي في طهران يسمح بكمية محدودة من تخصيب اليورانيوم الإيراني لإنتاج أجهزة طبية.
كما تقدم الولايات المتحدة تخفيفاً ضئيلاً فقط للعقوبات المفروضة على طهران كجزء من الاتفاق، وهو نقطة خلاف أخرى، حيث تأمل إيران في تخفيف كبير لعقوباتها على اقتصادها المتعثر. وتريد واشنطن التحقق من التزام طهران لفترة ممتدّة قبل النظر في تخفيف إضافي للعقوبات أو منح مزايا أخرى.
ويرى سالم أن القرار النهائي سيبقى بيد ترامب والمرشد الإيراني علي خامنئي، معتبراً أن كليهما واقع تحت ضغط كبير. فترامب يسعى إلى "صفقة" يمكنه تسويقها بوصفها إنجازاً كبيراً. وإذا أفضت المفاوضات إلى نتيجة إيجابية، فقد ينعكس ذلك تهدئة في المنطقة، وتحسّناً في العلاقات الأميركية – الإيرانية، وربما فتح الباب أمام تفاهمات إضافية.
في المقابل، يلفت سالم إلى اختلاف الموقف الإسرائيلي جذرياً. فإسرائيل تبدي قلقاً شديداً من أي اتفاق بين واشنطن وطهران، إذ ترى أن هدفها الاستراتيجي هو تقويض النظام الإيراني ومنع إيران من البقاء قوة مؤثرة في المنطقة. ويشير إلى أن هذا يضع ترامب ونتنياهو على موجتين مختلفتين.
ويخلص سالم إلى أنه في حال فشلت المفاوضات، فإن خيار الضربة العسكرية يبقى مطروحاً، مع تباين في الرؤية: فإسرائيل تفضّل ضربة واسعة وطويلة، بينما يميل ترامب إلى ضربة قاسية ومحدودة، زمانًا ومكانًا، وربما مترافقة مع العودة إلى طاولة المفاوضات.
نبض