صواريخ صينية إلى إيران... بين الواقع والتمنّي
"ستعدّل قواعد اللعبة".
هكذا وصفَ ضابط سابق في الاستخبارات الإسرائيلية تداعيات صفقة أسلحة محتملة بين الصين وإيران، وسط التوتر الحالي في الشرق الأوسط. بحسب "رويترز"، تقترب بكين من بيع مجموعة صواريخ مضادة للسفن (سي أم-302) إلى طهران. ليس العدد واضحاً ولا تاريخ التسليم، لكن الصواريخ قادرة على المناورة بسبب سرعتها وانخفاض مستوى تحليقها. دامت المفاوضات نحو عامين، لكنها تسارعت بعد حرب "الأسد الصاعد" ودخلت مؤخراً مراحلها النهائية.
ثمة أسباب للتمهل أمام تقرير إبرام الصفقة حالياً، مع العلم أن الوكالة استقت معلوماتها من ستة مسؤولين، منهم من تبلّغوا النبأ من الحكومة الإيرانية. فقد أعلنت وزارة الخارجية الصينية أنها لم تكن على علم بالموضوع، فيما رفضت وزارة الدفاع التعليق. ثانياً، لم تكن هذه المرة الأولى التي يحكى فيها عن احتمال بيع أسلحة صينية ضخمة إلى إيران. "قاتلة الرافال" اسمٌ طغى على الأنباء الصيف الماضي.

كذلك، انتشرت أنباء أخرى عن أن بكين باعت طهران صواريخ أرض-جو "أتش كيو-9 بي" بعد حرب حزيران/يونيو الماضي. بينما يبدو الخبر لافتاً، تعدّ هذه الصواريخ نظيرة أس-300 الروسية، وبالتالي هي لا تنتمي إلى فئة الدفاعات الجوية الأحدث. في الواقع، قد تكون روسيا، لا أميركا أو إسرائيل، هي المستاء الأكبر من تلك الصفقة، مجدداً إذا كانت صحيحة.
ثمة حذر صيني مفهوم من بيع أسلحة كاسرة للتوازن إلى إيران. فالتوقيت غير مناسب مع الانفتاح الأميركي على بكين. سيزور الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصين نهاية الشهر المقبل وتستمر الزيارة لأيام عدة. ومن المتوقع أن يستقبل ترامب نظيره الصيني شي جينبينغ أواخر السنة الحالية. والغياب شبه الكامل للإشارة إلى الصين في خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه ترامب مؤخراً هو دليل معبّر إلى سلوك العلاقات الثنائية بداية مرحلة إيجابية نسبياً.
عن الأولويات الصينية
منذ توليه الرئاسة، زار شي إيران مرة واحدة فقط، بينما زار الولايات المتحدة خمس مرات (لكنه لم يزر إسرائيل). ولا تزال الشراكة التجارية بين الصين وإيران منعدمة التوازن حيث تضطر الأخيرة إلى بيع نفطها بأسعار مخفّضة بسبب العقوبات. بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 13.4 مليار دولار سنة 2024، في مقابل نحو 16.3 مليار دولار بين الصين وإسرائيل.
يَظهر انكسار التوازن الأكبر عند مقارنة حجم الاستثمارات الصينية الخارجية. بين 2021 و2024، بلغ حجم الاستثمار المباشر للصين في إيران نحو 76 مليون دولار و549 مليوناً في إسرائيل. هذا بالرغم من توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين بكين وطهران بقيمة 400 مليار دولار سنة 2021.

بطبيعة الحال، تتقزّم تلك الأرقام أمام حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة. إذاً، تقوم نظرة الصين تجاه الشرق الأوسط على التوازن أولاً، غير أن هذا التوازن مختلّ لمصلحة أعداء إيران.
ماذا عن "رفض الهيمنة" الأميركية؟
ترغب الصين بتعديل النظام الدولي تدريجياً، إلى الآن على الأقل، كي يعكس قوتها الصاعدة. بالمقابل، كثيراً ما تستخدم روسيا الصدمة لتذكير العالم بتجسيدها قطباً مساوياً للولايات المتحدة. وينبع تفضيل الصين للتغيير المتدرج من اعتقادها بأن الوقت حليفها. في أحد الجوانب، أصبحت الصين ثاني قوة اقتصادية حول العالم بفعل النظام الحالي. لذا، أبقت الصين علاقاتها مع روسيا وإيران ضمن إطار الشراكة لا التحالف.
في الوقت نفسه، ثمة الكثير من الغموض حيال الحرب المحتملة بين إيران والولايات المتحدة. قد تغرق أميركا في "المستنقع" الإيراني مما يشغلها عن شرق آسيا لفترة، وهو أمر يخدم الصين. عندها، بإمكان بكين دعم إيران عسكرياً، لكن من غير المرجح أن يكون دعماً أكبر من ذاك الذي تقدّمه الآن إلى روسيا، وقد يشمل ذلك نقل تجهيزات أو رقائق مزدوجة الاستخدام.
في الوقت نفسه، حتى لو استهلكت الحرب المحتملة الأصول والجهود الأميركية، ثمة علامة استفهام عما إذا كانت الصين قادرة على التحرك عسكرياً في مضيق تايوان، وسط عمليات التطهير الواسعة التي تطال كبار القادة العسكريين.
ومن الاحتمالات الأخرى أيضاً، تمكنُ الولايات المتحدة من قلب النظام في وقت قصير وإيجاد بديل له بسرعة. عندها، يصبح أي تدخل صيني لاحق بلا جدوى. بالتالي، قد يكون السيناريو الأمثل للصين دوام العلاقة المتوترة بين إيران وأميركا لفترة طويلة، إنما من دون الوصول إلى الحرب الشاملة بينهما.
بين الصفقة والتمنيات
ربما تكون الصواريخ الصينية، إذا تم الاتفاق سريعاً، وسيلة لإقناع إيران بعدم إغلاق مضيق هرمز في حال الحرب. لكن في جميع الأحوال، قد تكون قدرة إيران على هذه الخطوة محدودة، وسط التحشيد الأميركي الكبير. في الأغلب، قد تكون النجدة الصينية لإيران خجولة، على الأقل قبيل وخلال المراحل الأولى من الحرب المحتملة.
من هنا، يبدو التقرير الأخير عن اقتراب إبرام صفقة الصواريخ مجرد تهديد إيراني. قد تكذّب التطورات اللاحقة هذا التقييم، لكن السجل الحديث للعلاقات الصينية مع المنطقة، و"الهدنة" بين أميركا والصين مؤخراً، بما فيها عدم التعليق الأميركي على خبر "رويترز"، يوحيان بأن تطورات كهذه هي ضئيلة الاحتمال في الوقت الراهن.
نبض