في حين تنعقد الجولة الثالثة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، اليوم الخميس في جنيف، يتوقع مراقبون دوليون أن يساهم التوصل إلى اتفاق – ولو نسبي – في تجنب هجوم أميركي محتمل، والحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة. غير أن ثمة مخاوف جدية من أنه في حال فشل هذه المفاوضات، سيبدأ العدّ التنازلي لحرب جديدة في الشرق الأوسط، قد تكون شرارتها هجوماً أميركياً على إيران.
يؤكد مسؤولون إيرانيون أن طهران، خلال الجولتين الأخيرتين من المفاوضات، وكذلك خلال خمس جولات سبقت حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل (حزيران/ يونيو 2025) التي تورطت فيها الولايات المتحدة، والتي عُقدت بوساطة الحكومة العُمانية، تمكنت من تحقيق ثلاثة إنجازات استراتيجية:
أولاً: حصر المفاوضات بالملف النووي، وتجنب إدراج ملف الصواريخ أو الدور الإقليمي لإيران على جدول الأعمال. بل إن بعض أشد المعارضين الإيرانيين لا يرون ضرورة للتفاوض بشأن برنامج الصواريخ، باعتباره مرتبطاً مباشرة بالأمن القومي الإيراني.
ثانياً: تجاوز الطرح القاضي بوقف التخصيب كلياً، إذ قبلت الولايات المتحدة – وفق الرواية الإيرانية – مبدأ حق إيران في تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها.
ثالثاً: تراجع واشنطن عن مطلب النقل الفوري لمخزون اليورانيوم المخصّب إلى خارج إيران، وقبولها أن يتم تخفيفه وتحويله إلى وقود مخصص للمنشآت النووية السلمية داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويُعزى تشديد المسؤولين الأميركيين في الآونة الأخيرة على أولوية التوصل إلى اتفاق بدلاً من خيار الحرب – وخصوصاً ما ورد في خطاب الرئيس دونالد ترامب السنوي أمام الكونغرس في 25 شباط/ فبراير الجار ي – إلى وجود تقدم ملموس في مسار المفاوضات، بالتوازي مع استمرار التهديد باستخدام القوة. كما أن التصريحات المنقولة عن ترامب، ومن بينها تساؤله: "لماذا لم تستسلم إيران حتى الآن؟"، تعكس أن الضغوط الأميركية لم تحقق غاياتها كاملة، وأن إرسال كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية إلى المنطقة لم يثمر نتائج حاسمة على الصعيد الديبلوماسي، وإن كان قد عزز – في المقابل – إرادة طهران في تفادي الحرب.
هذا الواقع أثار امتعاض إسرائيل من مسار المفاوضات، وقد يدفع – في ظل ضغوط اللوبيات المؤيدة لها داخل الولايات المتحدة – إلى تعطيل المفاوضات أو إفشالها، بما قد يفضي إلى مواجهة عسكرية محتملة.
في هذه الجولة، من المتوقع أن تبدي طهران مرونة غير مسبوقة، وأن تتبنى مبدأ "الأخذ والعطاء" في التفاوض، في مسار سعيها إلى تذليل ذرائع الحرب. ويرى الأميركيون أن التحوّل في النهج الإيراني جاء نتيجة الحشد العسكري غير المسبوق في المنطقة. غير أن السؤال المطروح هو: ما الذي قبلت به طهران فعلياً؟
بحسب مصادر ديبلوماسية مطلعة، وافقت إيران حتى الآن على ما يأتي:
1- حصر التخصيب بالمستويات المرتبطة بالاستخدامات السلمية، تأكيداً لعدم سعيها إلى امتلاك سلاح نووي.
2- إبقاء منشآتها النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتقديم توضيحات بشأن نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب الموجود داخل البلاد. ويشير بعض التقديرات إلى أن هذه النقطة تحديداً لا تحظى بارتياح أميركي، إذ تُفهم باعتبارها دليلاً على إخفاق ما تُعرف بعملية "مطرقة منتصف الليل" التي يكرر ترامب الإشارة إليها، والتي لم تنجح – وفق الرواية الإيرانية – في تدمير المخزون النووي.
وفي ضوء ما يصفه ديبلوماسيون إيرانيون بأنه "توافق نسبي" حيال هذه القضايا، تطالب طهران بآليات واضحة وملموسة لرفع العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة عليها. وفي المقابل، تبدي استعدادها لتوسيع التعاون الاقتصادي الثنائي، خصوصاً في قطاع النفط، وهو ملف يُقال إنه يحظى باهتمام خاص من جانب ترامب.
ويرى مسؤولون إيرانيون أن هذه المسارات قد تفضي إلى اتفاق نهائي، شرط تخلي الولايات المتحدة عن تهديداتها العسكرية واحترامها لمقتضيات الأمن القومي الإيراني. وفي المقابل، يُتوقع من إيران اتخاذ خطوات لطمأنة واشنطن إزاء علاقاتها بالقوى الحليفة لها في لبنان والعراق واليمن.
ومع ذلك، قد يذهب كل ذلك أدراج الرياح بفعل ما تصفه طهران بالدور التخريبي لإسرائيل، وهو ما يثير قلقاً داخل الولايات المتحدة نفسها بشأن تأثير اللوبي المؤيد لإسرائيل في صنع القرار الأميركي. ويُقال إن حضور جاريد كوشنر، صهر ترامب، في هذه الجولة يهدف إلى الاطلاع المباشر على مسار المفاوضات وطمأنة الأوساط اليهودية في نيويورك إلى أن البرنامج النووي الإيراني لا يشكل تهديداً لهم.
في المقابل، تشير تقارير إلى أن إسرائيل بعثت برسالة إلى إيران عبر روسيا تحثها فيها على تجنب شنّ حرب استباقية، مفضلة أن تكون أي مواجهة – إن وقعت – بمبادرة أميركية.
ويبدو أن إسرائيل تسعى إلى أحد خيارين: إما اندلاع حرب تتحمل الولايات المتحدة تكلفتها، وإما إبقاء المنطقة في حالة "لا حرب ولا سلام"، بما يحول دون تمكين إيران، بصفتها قوة إقليمية، من التفرغ لمسار الاستقرار والتنمية.
إلى جانب ذلك، ثمة عامل داخلي مؤثر بصورة غير مباشرة في مآلات المفاوضات، يتمثل في التحديات التي تواجهها الحكومة الإيرانية على الصعيد الداخلي، ولا سيّما منها ما يتعلق بإعادة ترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع، بعد التطورات الدامية التي شهدتها البلاد في كانون الثاني/يناير الماضي.
فإعادة بناء "الدولة-الأمة" على أساس إرادة الشعب باتت ضرورة ملحة للحفاظ على الاستقرار الداخلي.
ويرتبط التئام الجروح الاجتماعية واستعادة الثقة العامة ارتباطاً وثيقاً برفع العقوبات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإنعاش الإنتاج الوطني. فالتخفيف من وطأة الضغوط الاقتصادية على المواطنين، وتعزيز الطبقة الوسطى، قد يفتحان الباب أمام إعادة ترميم الشرعية الوطنية وتعزيز الانسجام المجتمعي، من خلال توسيع هامش المشاركة الشعبية في اختيار السلطة، بما يحول دون انزلاق النظام السياسي نحو أزمة أعمق.
نبض