لا حلول سهلة... ترامب أمام معضلة صعبة ومكاسب غير مضمونة مع إيران
بين شبح الحرب والضغوط الداخلية، يجد الرئيس الاميركي دونالد ترامب نفسه أمام اختبار خطير في ولايته الثانية. فبين ناخبين منهكين اقتصادياً ورئيس يميل إلى استعراض القوة، تعود إيران إلى الواجهة كملف بلا حلول سهلة، حيث تختلط المغامرة العسكرية بحسابات الإرث والانتخابات.
ويقول تحليل لشبكة "سي ان ان" إن شن حرب على ايران ستكون صدمة للأميركيين المنهكين من أسلوب ترامب والقلقين من الاقتصاد في حين يواجهون صعوبات في توفير الغذاء والسكن.
ومع ذلك، يركز ترامب على قضايا أخرى مختلفة تماماً. فقد أطاح بالرئيس الفنزويلي وأرسل عملاء فيدراليين إلى مينيسوتا وشوه مجدداً سمعة النظام الانتخابي. كذلك، استخدم القوة العسكرية الخارجية، إذ ضرب مواقع في إيران والعراق واليمن وسوريا ونيجيريا وفنزويلا خلال عامه الرئاسي الأول.
وهذا بالظبط ما يجعل تهديداته تجاه ايران ذات تأثير واضح، مع بدء المفاوضات اليوم الجمعة في عمان بين مسؤولين من البلدين.
يواجه ترامب تراجع في معدلات تأييده في عام الانتخابات النصفية الذي يبدو قاتماً للجمهوريين، ولذلك يجب أن يأخذ في الاعتبار موقفه الداخلي المتدهور إلى جانب قضية ايران الصعبة. فالرئيس يعتقد أن تقلباته توسع مجال التفاوض. لكن في خضم أزمة إيران الجديدة، يصعب تصور كيف سيخرج بنوعية الانتصار السهل والواضح الذي يريده.
هو مقتنع بأن الايرانيين يريدون إبرام "اتفاق" لتجنب الحرب. وقد جمع قوة بحرية كبيرة في المنطقة ولديه خيارات عسكرية لشن ضربة قاسية، ما أضاف قوة إلى ديبلوماسيته الصارمة.
وقد لا يتمكن الإيرانيون من المراهنة على تراجعه، حيث فرضت في السابق عدوانيته خطوطاً حمراء. فقد أمر باغتيال قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في العراق خلال ولايته الأولى. وفي ولايته الثانية، شارك مع إسرائيل في حرب حزيران/يونيو لتدمير المواقع النووية. كما انغمس في السياسة الداخلية الإيرانية أكثر من أي رئيس آخر في القرن الـ21، محذراً النظام الديني من التدخل في حال قمع المحتجين خلال التظاهرات الأخيرة.

وإيران في وضع ضعيف حالياً، ومن المنطقي أن يستغل ترامب هذه الفرصة النادرة. فمستقبل النظام محفوف بالغموض بسبب أزمة الخلافة، ولم تكن أزمة الشرعية السياسية أبداً أكثر حدة مما هي عليه الآن خاصة بعد الاحتجاجات وسط ظروف اقتصادية مأسوية، إضافة إلى تراجع ضعف وكلائها الإقليميين بعد أن دمرت إسرائيل قدراتهم.
قد لا يكون هناك وقت أفضل لواشنطن لقلب نظام ظل يطارد سياستها في الشرق الأوسط. ولكن قد لا تدوم هذه الفرصة طويلاً. وإذا لم يغتنم ترامب الفرصة الآن، فقد يندم على ضياعها في المستقبل.
وإذا تمكن من تحقيق إنجاز يفوق إنجازات أسلافه بهزيمته أحد ألد أعداء أميركا، فسوف يحجز مكاناً له في التاريخ لا يمكن إنكاره. ونظراً لهوسه بترك إرث، لا بد أن هذا احتمال مغرٍ.
لكن المضي قدماً في شن ضربات عسكرية سيكون مصحوباً بمخاطر جسيمة. إن أي محاولة جادة لقطع رأس النظام الإيراني أو تدمير قدراته العسكرية ستتطلب على الأرجح حملة جوية تستمر أياماً. وقد لا تكون الضربة القصيرة والحادّة من النوع الذي يفضله ترامب كافية للإطاحة بالنظام. لكن أي تدخل عسكري طويل الأمد وذي عواقب غير مؤكدة سيشكل اختباراً صعباً. فالحرب التي تسير في اتجاه خاطئ قد تدمر فرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/ نوفمبر.
ويقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور عماد سلامة لـ"النهار": "يبدو أن ترامب لا يملك استراتيجية بسيطة أو خطاً مستقيماً تجاه إيران، بل يتعامل مع الملف بوصفه معضلة مركّبة بلا حلول سهلة"، مضيفاً: "مقاربته تقوم على مزيج محسوب من التهديد العسكري والضغط الاقتصادي من جهة، وترك باب الديبلوماسية موارباً من جهة أخرى، بهدف انتزاع تنازلات بأقل كلفة ممكنة سياسياً واقتصادياً، في ظل قلق الشارع الأميركي من تبعات أي حرب على الاقتصاد والانتخابات".
ويشير إلى أن مع ذلك، يبقى خيار التصعيد العسكري التدريجي "حاضراً كأداة ضغط إضافية، لا كخيار مفضل، لكنه محتمل إذا فشلت أدوات الردع والاحتواء في دفع إيران للاستجابة للمطالب الأميركية".
وظهرت مؤشرات في الأسابيع الأخيرة على أن حلفاء أميركا الخليجيين يخشون عواقب الهجوم. ومن المحتمل أن تشن إيران ضربات صاروخية قصيرة المدى. وقد تحاول شل البنية التحتية النفطية الإقليمية. وقد تؤدي الاضطرابات طويلة المدى إلى زعزعة استقرار المنطقة. ويخشى جيران إيران من فوضى في حالة مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وعلى رغم انطلاق مفاوضات عمان، فإن فرص نجاح الديبلوماسية تبقى ضئيلة. إذ يصعب تصوّر أن تقبل إيران بشروط ترامب والعكس صحيح. وبعد أسابيع من التهديدات، فإن قرار عدم ضرب إيران في حال فشل المفاوضات قد يستنزف مصداقية الرئيس الأميركي.
وهكذا، يقف ترامب أمام خيارين أحلاهما مرّ: تصعيد قد يشعل المنطقة، أو تفاوض هش يقوّض صورته داخلياً وخارجياً.
نبض