ترامب وإيران... إسفينٌ بين الجيش والحرس الثوري؟
بعدما نجح في الوصول إلى الحكم، ارتأى قائد الثورة الأسبق روح الله الخميني أن يؤسس قوات خاصة لحماية النظام المنبثق عنها. ما شجّعه على ذلك، للمفارقة، هو أحد أسباب سقوط نظام الشاه: وقوف الجيش الإيراني (أرتِش) على الحياد. ساهمت ريبة الخميني من المؤسسات الأمنية الرسمية في إنشاء الحرس الثوري.
كلّف الخميني مساعده الوثيق علي أكبر هاشمي رفسنجاني بالإشراف على التأسيس، لكن المهمة عُهدت لاحقاً إلى الرئيس (والمرشد الحالي) علي خامنئي. "أرتش، مثل سيپاه (الحرس الثوري)، سيبقى"، بحسب ما قال خامنئي في حينه. "لكن أعتقد أن القوة الوحيدة القادرة على الدفاع عن الثورة والجمهورية الإسلامية بطريقة إسلامية هي سيپاه".
كلامٌ تردد صداه لفترة طويلة، وربما داخل أروقة الجيش تحديداً.
بالآلاف... والملايين
يصل العدد الوسطي لعناصر الحرس الثوري حالياً إلى 175 ألفاً. وهذا من دون احتساب منظمة "باسيج" (منظمة تعبئة المستضعفين) التابعة له. بحسب الأكاديمي سعيد غولكار، وصل عدد عناصر هذه المنظمة إلى نحو 5 ملايين (أرقام 2015). من بين هؤلاء نحو 200 ألف كادر تلقوا تدريبات خاصة.
تعدّ الـ "باسيج" الذراع الأهم للحرس الثوري في أعمال القمع، وبرز دورها للمرة الأولى بشكل جليّ خلال إخماد ثورة 2009. وللحرس الثوري أيضاً قوات بحرية وجوية وبرية، إضافة إلى "فيلق القدس" الذي يصدّر أفكار الثورة وخبراتها القتالية إلى الخارج. لكن تلك القوة أصبحت ضعيفة بعد الاستنزاف الذي تعرضت له عقب حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وترافق ذلك مع تهميش قائدها إسماعيل قاآني مؤخراً.
وزّع الدستور الإيراني المهام بين الجيش التقليدي والحرس الثوري: الأول يحمي الحدود والسيادة ووحدة الأراضي، بينما يحمي الثاني الانتظام والثورة. ربما شكّل ذلك، جزئياً، حلاً وسطاً بين الداعين إلى حلّ الجيش من أقصى اليسار وبعض المجموعات الإسلامية، وبين تسليم الجيش مقاليد الحماية كافة. مع ذلك، لم يستطع هذا الترسيم حجب إشكالية العلاقة السياسية بين الطرفين، على الأقل ليس بشكل دائم. ففي حين سُمح للحرس الثوري بتأسيس قوة اقتصادية (بمبادرة من رفسنجاني)، كان الجيش يتعرض للتطهير في الفترة الأولى التي أعقبت نجاح الثورة.

بحسب تقرير لـ "معهد الشرق الأوسط" (2011)، تخلى القادة الدينيون عن شعار "إخوة السلاح" وأطلقوا حملة تطهير واسعة ضد القيادة العليا للجيش وقد تعرض عدد من جنرالاته للإعدام. وبرزت توترات بين الجيش و"الحرس" حتى خلال الحرب ضد العراق. من هنا، ثمة سبب وجيه للاعتقاد بأن الولايات المتحدة قد تلعب على وتر الامتعاض، ولو غير الظاهر كثيراً، بين المؤسستين.
بعكس إسرائيل
إذا كان ترامب سيوجه ضربة لإيران "أقوى" من السابق كما قال، فمن المحتمل أن تكون قواعد الحرس الثوري هي الهدف الأول... والوحيد. في الواقع، يُحتمل أن يعيد ترامب بشكل أو بآخر إحياء خطابات الخميني حين طلب من الجيش الإيراني أن ينشق عن الشاه. رسالة أميركية أخرى إلى الجيش بعدم الدفاع عن المرشد قد تكون قيد الإعداد. في الوقت عينه، إذا حيّد ترامب مراكز الجيش من القصف فسيُظهر ذلك نواياه باستهداف النظام فقط، دون الدولة الإيرانية التي تغنّى بأمجادها في مرات عدة. سيناقض ذلك السياسة الإسرائيلية التي اغتالت خلال الحرب رئيس الأركان اللواء محمد باقري.
على الورق، يبدو زرع الشقاق بين الحرس والجيش بلا عقبات. والنظام نفسه سهّل المهمة بعدما جعل الموازنة المخصّصة للحرس أكبر من تلك المخصّصة للجيش، بنحو الضعف أحياناً. وبالرغم من أن طهران تمكنت من حجب التوترات بين الطرفين، كان لا بد لبعض الانتقادات من أن تتسرّب إلى العلن لفترات وجيزة.

في أيار/مايو 2020، أعلن قائد البحرية الإيرانية السابق حبيب الله سيّاري استياءه من إضاءة الإعلام الرسمي على تضحيات "الحرس" خلال الحرب ضد العراق، والتعتيم على تضحيات الجيش، بل حتى السخرية من قادته. كما انتقد تدخل "الحرس" في الشأنين الاقتصادي والسياسي قائلاً إن الجيش يمكنه فعل ذلك، لكنه يلتزم بالدستور. تولى سيّاري بشكل موقت قيادة الأركان، بعد مقتل باقري.
لا يضمن كل ذلك تفرج الجيش الإيراني على أي حرب أميركية مقبلة، حتى ولو اكتفت باستهداف "الحرس". وسياري نفسه أعلن قبل أيام جاهزية الرد. لكن عوامل النفور المتبادل موجودة. تأثيرها على الحرب المحتملة، خصوصاً إذا كان ترامب جاهزاً للاستفادة منها، يبقى قيد المراقبة.
نبض