"فصائل إيران" تُهدّد بالرد على أي ضربة أميركية... تصعيدها مقدمة لحرب إقليمية؟
على وقع تصاعد التهديدات الأميركية بشن ضربة عسكرية ضد إيران، ارتفعت في المقابل نبرة التصعيد لدى الفصائل الموالية لطهران في المنطقة، في مشهد بدا منسقاً في التوقيت والخطاب. من لبنان إلى العراق واليمن، لوّحت هذه الأطراف بالرد وعدم الوقوف على الحياد، ما أعاد إلى الواجهة سؤال قدرة هذه الفصائل على تنفيذ تهديداتها، وحدود تأثيرها في مسار أي مواجهة محتملة.
وبين استراتيجية أميركية تقوم على ضربات محدودة لا تنزلق إلى حروب مفتوحة، وتهديد إيراني باستخدام أذرع إقليمية كورقة ردع، يُطرح التساؤل: هل يشكل تصعيد الفصائل مقدمة لحرب إقليمية، أم أداة ضغط تحاول طهران من خلالها تحسين شروط المفاوضات وتفادي الانفجار الشامل؟
تستضيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كبار مسؤولي الدفاع والاستخبارات من إسرائيل والسعودية لإجراء محادثات حول إيران هذا الأسبوع، في الوقت الذي يدرس فيه ترامب شن ضربات عسكرية بحسب "اكسيوس".
وقد أمر ترامب بتعزيز القوات العسكرية الأميركية في المنطقة استعداداً لشن عمل عسكري محتمل.
جاء الإسرائيليون إلى واشنطن لتبادل المعلومات الاستخباراتية حول الأهداف المحتملة داخل إيران فيما يشعر السعوديون بقلق بالغ إزاء احتمال اندلاع حرب إقليمية ويحاولون المساعدة في التوصل إلى حل دبلوماسي.
ومع أن السعوديين نقلوا رسائل بين الطرفين لتهدئة الوضع، الا أنه لا توجد مفاوضات جادة. ويقول مسؤولون أميركيون إن طهران لا تبدو مهتمة بصفقة. وقد هدد مسؤولون إيرانيون بالرد بقوة إذا هاجمت الولايات المتحدة.
في الموازاة، وبالتزامن تقريباً، هدد حلفاء بالمنطقة بالرد وعدم الحياد في حال استُهدفت ايران. أكد الأمين العام لـ"حزب الله" في لبنان الشيخ نعيم قاسم أن حزبه سيكون مستهدفاً بأيّ هجوم محتمل. وقال قاسم: "أمام العداون الذي لا يفرّق بيننا، سنختار في وقتها كيف نتصرّف. لكن لسنا حياديين".
في العراق، دعت "كتائب حزب الله" ما وصفته بـ"محور المقاومة" إلى التهيؤ لحرب شاملة دعماً وإسناداً لإيران. ودعت عناصرها إلى الاستعداد الميداني، والتأهب.
في اليمن، لوح الحوثيون بإمكانية تكرار الهجمات على السفن في البحر الأحمر. ونشروا مقطعاً مصوراً يوثق استهدافاً سابقاً لسفينة بريطانية، واختتم المقطع بعبارة: "والقادم أعظم"، في رسالة اعتبرها مراقبون تهديداً مباشراً بعودة العمليات.
ويقول الكاتب السياسي سام منسّى لـ"النهار": "لا يمكن الجزم بنتائج المفاوضات الجارية، لكن من غير المرجّح أن تفتح الباب أمام مسار تفاوضي طويل الأمد. المرجّح أن ترامب، إذا لم يحقق تقدّماً خلال هذه الفترة، قد يعود إلى خيار استخدام العنف".

في ما يتعلّق بالفصائل المسلحة، يرى منسّى أن "حزب الله" لا يملك القدرة على خوض مواجهات كبرى، وأن خطابه التصعيدي يندرج في إطار التعبئة السياسية أكثر منه استعداداً فعلياً للمواجهة.
في العراق، يستبعد أي انخراط واسع، محذّراً من أن التدخل هناك سيؤدي إلى تدمير الداخل العراقي، في وقت لا يزال فيه التردّد يطغى على القرار الأميركي بسبب كلفة أي تصعيد محتمل.
عسكرياً، يقول المحلل العسكري رياض قهوجي لـ"النهار" إن الحرب المقبلة، في حال اندلاعها، ستكون موجهة مباشرة ضد النظام الإيراني، معتبراً أن إسقاط هذا النظام بات خياراً مطروحاً بجدية ضمن الحسابات الأميركية. ويوضح أن استهداف "الأصيل" بدل الوكلاء يعني تلقائياً إنهاء دور الميليشيات التابعة لإيران في المنطقة، إذ تتحول عندها إلى قوى بلا راعٍ.
وبحسب قهوجي، فإن هذه الميليشيات ستجد نفسها محاصرة داخل بيئاتها المحلية. ففي لبنان، يزداد "حزب الله" عزلة سياسية وشعبية، وفي العراق يسهم الموقف الأميركي الرافض لتشكيل حكومات محسوبة على إيران في إضعاف الفصائل الموالية لطهران وعزلها. أما الحوثيون في اليمن، فيؤكد قهوجي أنهم من دون الدعم العسكري والمالي الإيراني لن يمتلكوا القدرة على الاستمرار، وسيبقون محاصرين من مختلف الجهات.
ويرى أن هذه المجموعات قد تلجأ إلى التصعيد، لكنها لن تكون قادرة على تغيير مسار الحرب أو نتائجها، بل سيقتصر دورها على إحداث أذى موضعي سيرتد سلباً على الدول التي تنشط فيها، عبر ردود فعل أميركية أو إسرائيلية تؤدي إلى دمار وخسائر بشرية وتفاقم عزلتها الداخلية.
ويخلص قهوجي إلى أنه لا يتوقع حرباً شاملة في المنطقة، موضحاً أن تهديدات إيران باستهداف قواعد أميركية لا تعني اندلاع مواجهة إقليمية واسعة، بل تصعيداً محدوداً لا يصل إلى مستوى حرب متعددة الأطراف.
ويقول الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية ناجي ملاعب لـ"النهار" إن أي تصعيد ضد إيران لن يمر من دون ردّ موازٍ من أذرع طهران، إلا أن الفارق الأساسي يكمن بين ما يجري على الأرض وما يُقال في الخطاب السياسي. فالتصعيد الأميركي الإسرائيلي تُرجم عملياً بتحضيرات ميدانية واسعة.
في المقابل، يلاحظ ملاعب أن تصعيد أذرع إيران بقي في معظمه كلامياً، من دون مؤشرات واضحة إلى تحضيرات ميدانية جدية. ورغم القوة الاسرائيلية، يشير إلى أن ما كُشف من أنفاق وأسلحة لـ"حزب الله" في الجنوب لا يمثل سوى جزء محدود من قدراته. إلا أن استخدام هذه القدرات، وإن كان ممكناً، سيؤدي إلى يوم تدميري للبنان في اليوم التالي.
أما الحوثيون، فيستبعد أن يكون لتدخلهم أي تأثير فعلي في ظل الوجود البحري الأميركي الكثيف. وفي العراق، يؤكد ملاعب أن النفوذ الأميركي بلغ مستوى يمنع استخدام الساحة العراقية كورقة بيد إيران، ما يجعل معظم التهديدات المتداولة تهديدات كلامية، فيما تنفيذها ستكون كلفته باهظة جداً.
تبدو المنطقة عالقة بين تصعيد محسوب وردود كلامية، فيما يبقى الخيار العسكري مفتوحاً، فهل يظل شبح الحرب الإقليمية أداة ضغط أكثر منه سيناريو وشيكاً؟ وبينما تتقاطع التهديدات والتحضيرات دون تجاوزها، تبقى المنطقة معلّقة على إيقاع رسائل نارية محسوبة، تختبر الخطوط الحمراء وتؤجل لحظة الانفجار الكبير.
نبض