"أبراهام لينكولن" في الشرق الأوسط: هل تتغيّر سياسة ترامب في إدارة الأزمات؟
في ظل تصاعد التوتر مع طهران، اختارت إدارة الرئيس دونالد ترامب العودة إلى سياسة الحشد العسكري المباشر عبر نشر حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" في الشرق الأوسط. خطوة تعكس أسلوب ترامب القائم على الضغط الأقصى، وترك الخيارات مفتوحة، وتثير تساؤلات عما إذا كانت واشنطن تلوّح بالقوة أم تستعد لاختبار قواعد اشتباك جديدة مع إيران.
ويعزز وصول حاملة الطائرات الأميركية إلى الشرق الأوسط خيارات ترامب تجاه إيران، ما يثير التساؤلات حيال السلوك الخارجي الأميركي: هل يعكس نشر حاملة الطائرات تحوّلاً في قواعد الاشتباك الأميركية مع إيران من سياسة "إدارة الأزمات عن بُعد" إلى إعادة ترسيخ الوجود العسكري المباشر؟
يقول المحاضر والزميل الأول في "كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة" في واشنطن إدوارد ب. جوزيف، لـ"النهار"، إن "نشر حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في الخليج يعكس اهتمام الإدارة الأميركية المتزايد بالتطورات في إيران".
ويضيف: "في حين أن الإدارة قد تقرر عدم اتخاذ أي إجراءات عسكرية في إيران على الإطلاق، أعتقد بأن نشر هذه الحاملة يهدف إلى توفير خيارات عسكرية لترامب، مع إرسال إشارة تحذيرية فورية إلى إيران".

وأعلن الجيش الأميركي، الاثنين، أن "أبراهام لينكولن" ومجموعتها قد وصلت إلى الشرق الأوسط. وترافق حاملة الطائرات مجموعة تضم ثلاث مدمّرات مزوّدة بصواريخ وأنظمة دفاع جويّ، كما تحمل على متنها عشرات الطائرات المقاتلة، ونحو 5000 بحار، ما يعزز القدرات الهجومية والدفاعية الأميركية، بحسب "واشنطن بوست".
تزامن ذلك مع قيام ترامب ومستشاريه بدراسة خيارات عسكرية محتملة ضد إيران على خلفية القمع الدموي للاحتجاجات الأخيرة. ولا يزال عدد القتلى قيد الإحصاء، لكن بعض التقديرات تشير إلى أن العدد تجاوز الـ 5000 قتيل، وفقاً لمنظمة حقوقيّة.
يقول الباحث والمحلّل السياسي في الشأن الأميركي وشؤون الشرق الأوسط توفيق طعمة لـ"النهار": "يشكّل وصول أبراهام لينكولن إلى الشرق الأوسط مؤشراً سياسياً وعسكرياً بالغ الدلالة في سياق التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، ويطرح تساؤلات بشأن طبيعة التحوّل في قواعد الاشتباك الأميركية تجاه إيران. فمنذ سنوات، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة تقوم على إدارة الأزمات عن بُعد، عبر تقليص الوجود العسكري المباشر والاعتماد على الردع غير المباشر والعقوبات والضغوط الديبلوماسية، تفادياً لمواجهة مفتوحة".
ويضيف: "لكن نشر حاملة طائرات، بما تحمله من ثقل عسكري ورمزية استراتيجية، يعكس تعديلاً تكتيكياً مدروساً في هذه المقاربة، باتجاه تعزيز الردع المتقدّم وإعادة إظهار الحضور العسكري كأداة ضغط فعّالة. فالخطوة تهدف إلى توجيه رسالة واضحة لإيران وحلفائها بأن هامش المناورة بات أضيق، وبأن أيّ تصعيد ستكون كلفته أعلى".
ويشير طعمة إلى أنه في المقابل، لا يبدو هذا الانتشار مقدمة لحرب شاملة، بقدر ما هو استعراض قوة محسوب يوفّر لواشنطن أوراق ضغط إضافية، سواء في مسار التفاوض أو في طمأنة الحلفاء الإقليميين. وعليه، يمكن القول إن الولايات المتحدة تعيد ضبط قواعد الاشتباك لا الانقلاب عليها، عبر الانتقال من ردع غير مرئي إلى ردع مباشر، من دون التخلي عن سياسة الاحتواء وتجنّب المواجهة المفتوحة.
وكان ترامب قد اقترب من الموافقة على توجيه ضربات لإيران مطلع كانون الثاني/يناير، لكنه تراجع بعد تحذيرات من صعوبة احتواء الرد الإيراني، واحتمال اتساع دائرة التصعيد، فضلاً عن ضغوط من حلفاء واشنطن في المنطقة. في المقابل، أعلنت طهران رفع حالة الاستنفار القصوى، محذّرة من أن أيّ هجوم أميركي سيُعتبر حرباً شاملة، وستردّ عليه بأقصى قوة.
على ضوء هذه المعطيات، يبدو أن نشر حاملة الطائرات الأميركية يندرج ضمن توسيع خيارات الضغط والردع من دون حسم قرار المواجهة. لكن السؤال المطروح: هل سيظلّ هذا الحشد أداة ضغط سياسية، أم أنه يشكّل مقدّمة لتغيير فعلي في قواعد الاشتباك الأميركية مع إيران؟
نبض