"النهار" ترصد المزاج العام في طهران… انقسام سياسي داخلي وغضب شعبي وخوف من الآتي

ايران 22-01-2026 | 17:07

"النهار" ترصد المزاج العام في طهران… انقسام سياسي داخلي وغضب شعبي وخوف من الآتي

ارتفعت نسبة الوصول إلى الإنترنت من نحو 2% إلى قرابة 12%، وتمكّن بعض المواطنين، بصعوبة بالغة، من استخدام برامج كسر الحجب
"النهار" ترصد المزاج العام في طهران… انقسام سياسي داخلي وغضب شعبي وخوف من الآتي
إيرانيون يشترون مستلزمات الطعام في السوق الكبير بالعاصمة طهران. (أ ف ب)
Smaller Bigger

مرّ قرابة شهر على اندلاع الاحتجاجات المدنية والمطلبية في إيران، والتي جاءت على خلفية الارتفاع الحاد في سعر الدولار وغلاء السلع الأساسية. وقد اتّسعت رقعة هذه الاحتجاجات قبل نحو أسبوعين لتشمل ما يقارب 400 مدينة، واتّسمت منذ ذلك الحين بدرجة عالية من العنف، وسط تضارب كبير في الأرقام والمعلومات المتعلقة بعدد الضحايا.

 

 

وتؤكد الحكومة الإيرانية أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً، مشيرة إلى أن 690 منهم كانوا "إرهابيين مسلّحين"، فيما تصنّف 2427 من القتلى ضمن "الضحايا الأبرياء" الذين أُعلنوا شهداء في إيران. ووفق الرواية الرسمية، سقط معظم هؤلاء خلال الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد يومي الثامن والتاسع من كانون الثاني/يناير، ولا سيّما في مدن طهران ومشهد وأصفهان ويزد ورشت.

 

 

وترى الحكومة أن وجود "مجموعات إرهابية مسلّحة" مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل كان السبب الرئيسي في ارتفاع عدد القتلى وحجم الخسائر. في المقابل، يؤكد المحتجّون ومعارضو النظام في إيران أن الاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات العسكرية والأمنية هو العامل الأساسي وراء هذا العدد الكبير من الضحايا. كما يشير هؤلاء إلى أن استمرار قطع الإنترنت خلال الأسبوعين الماضيين يعكس خشية السلطات من تسريب الصور ومقاطع الفيديو والتقارير التي توثّق حجم القمع الذي جرى على الأرض.

 

 

شهادات من الداخل

وعلى الرغم من الانقطاع شبه الكامل للإنترنت، تمكنت القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية من نقل شهادات عدد من المواطنين الإيرانيين، ولا سيّما أطباء وممرّضين عاملين في المستشفيات، الذين تحدثوا عمّا شاهدوه منذ الثامن من كانون الثاني/يناير. وقد كشفت هذه الشهادات عن مستوى غير مسبوق من العنف المستخدم في مواجهة المتظاهرين.

 

 

ومنذ مساء الأربعاء، ارتفعت نسبة الوصول إلى الإنترنت من نحو 2% إلى قرابة 12%، وتمكّن بعض المواطنين، بصعوبة بالغة، من استخدام برامج كسر الحجب للدخول إلى شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، لا يزال موعد العودة الكاملة للخدمة غير واضح، إذ تتولى لجنة تابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي اتخاذ القرار في هذا الشأن، وتعمل هذه اللجنة تحت إشراف علي لاريجاني.

 

مبنى بنك صادرات الذي أُحرق خلال الاحتجاجات في طهران. (أ ف ب)
مبنى بنك صادرات الذي أُحرق خلال الاحتجاجات في طهران. (أ ف ب)

 

عودة حذرة للحياة… وسط قبضة أمنية

أما المشهد العام في المدن الإيرانية، الذي كان خلال الأسبوعين الماضيين مشحوناً أمنياً وعسكرياً، فقد بدأ يشهد عودة تدريجية إلى مظاهره الطبيعية. فقد عاد الازدحام المروري إلى الشوارع، وفتحت المقاهي والمطاعم أبوابها مجدداً أمام الزبائن، غير أن المزاج العام لا يزال مثقلاً بالحزن والغضب والقلق من تداعيات الأحداث الأخيرة. كما أسهم الارتفاع الكبير في الأسعار واستمرار الركود الاقتصادي في تعميق هذا الشعور العام بالضيق وعدم الاستقرار.

 

 

وفي السياق نفسه، أُلغيت الامتحانات الحضورية النهائية لطلبة مرحلة البكالوريوس في الجامعات، وجرى اعتماد الامتحانات الإلكترونية بدلًا منها، في ظل تخوّف الأجهزة الأمنية من تجدد الاحتجاجات داخل الحرم الجامعي. وخلال الليالي الماضية، ولا سيّما في ساعات متأخرة من الليل، شهدت الساحات والشوارع الرئيسية انتشاراً كثيفاً لقوات الأمن، التي عمدت إلى تفتيش المارة عشوائياً، وفحص هواتفهم المحمولة، وفي حال العثور على صور أو مقاطع مصوّرة للاحتجاجات عليها، يتمّ توقيف أصحابها موقتاً.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد المعتقلين خلال الاحتجاجات الأخيرة بلغ نحو 25 ألف شخص، أُفرج عن قرابة خمسة آلاف منهم بكفالة، فيما لا يزال الباقون رهن الاحتجاز الموقت.

 

مخاوف من استهداف خامنئي

وفي موازاة ذلك، تتصاعد حدّة الخطاب السياسي والإعلامي داخل البلاد، حيث تشهد الساحة الإيرانية مواجهة كلامية حادة بين الحكومة وأنصارها من جهة، ومعارضي النظام من جهة أخرى. وعلى الرغم من القيود المشددة المفروضة على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يزال صوت المسؤولين وأنصار النظام هو الأعلى حضوراً، إذ يؤكدون ضرورة محاسبة جميع المشاركين في الاحتجاجات أمام القضاء، بل ويذهب بعضهم إلى المطالبة بمصادرة أموال المحتجّين لتعويض الخسائر التي لحقت بالبلاد.

 

 

في المقابل، يرى معارضو النظام أن هذا المستوى من القمع والتهديد يعكس حالة من الضعف والخوف داخل أركان السلطة، ويؤكدون أن استمرار الاحتجاجات هو السبيل الوحيد لإحداث تغيير سياسي حقيقي.

 

وبناءً على ذلك، بدأ بعض المواطنين الإيرانيين، وللمرة الأولى في تاريخ البلاد الحديث، يُظهرون ميلاً صريحاً إلى تدخل خارجي ضد الجمهورية الإسلامية، وينتظرون تحركاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستهدف الحكومة الإيرانية والمرشد الأعلى علي خامنئي. ويبرز هذا التوجه بشكل أوضح في التظاهرات التي ينظمها الإيرانيون في الخارج، وهو أمر غير مسبوق، إذ لم يُبدِ الإيرانيون، حتى خلال حرب الأيام الاثني عشر، أي ترحيب بضربات إسرائيلية أو أميركية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.

 

وقد بلغ القلق من احتمال استهداف الولايات المتحدة لقيادة إيران حداً كبيراً، إلى درجة أن أنصار الحكومة على شبكات التواصل الاجتماعي الداخلية يوجّهون رسائل تحذيرية متكررة، مفادها أن أي مساس بخامنئي سيقابل برد عسكري واسع، وأن القواعد الأميركية في الشرق الأوسط ستكون هدفاً مباشراً لأي تصعيد محتمل.

 

العلامات الدالة