إيران: وهم التغيير ووهن التدبير

ايران 17-01-2026 | 11:39

إيران: وهم التغيير ووهن التدبير

المراهنة اليوم على أن النظام الإيراني ضعيف، وهذه اللحظة مؤاتية لعمل تغييري من الداخل، تبدو وهماً ووهناً.
إيران: وهم التغيير ووهن التدبير
صور لإيرانيين قُتلوا في الاحتجاجات الأخيرة نُصبت خارج البيت الأبيض، واشنطن، 16 يناير 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

في عدد شتاء 1978 – 1979 من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، نشر جيمس بيل، الخبير الأميركي بالشأن الإيراني ومؤلف كتاب " النسر والأسد: مأساة العلاقات الأميركية الإيرانية" (The Eagle and the Lion: The Tragedy of American-Iranian Relations) حول العلاقات الأميركية–الإيرانية، مقالةً بعنوان "إيران وأزمة عام 1978"، قال فيها آنذاك إن البديل المرجح لحكم الشاه رضا بهلوي، وكانت إيران حينها في عزّ الارتباك الاجتماعي – الشعبي – الأمني، سيكون "مجموعة يسارية تقدمية من ضباط الجيش المتوسطي الرتب تحكم إيران فترة انتقالية". أما الاحتمالات الأخرى التي ساقها بيل في مقالته حينها، فكانت "مجلساً عسكرياً يميني التوجه، ونظاماً ديموقراطياً ليبرالياً قائماً على النموذج الغربي، وحكومة شيوعية". ما جرى حينها خيّب ظنّه، وأقام آية الله الخميني الجمهورية الإسلامية.

 

خامنئي يلقي خطاباً بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لوفاة الخميني في طهران 4 يونيو 2025. (أ ف ب)
خامنئي يلقي خطاباً بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لوفاة الخميني في طهران 4 يونيو 2025. (أ ف ب)

 

في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2025، استبق كريم سجادبور، المحلل الأميركي المتخصص في الشؤون الإيرانية والزميل في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، الحدث الجاري اليوم في إيران، ونشر في "فورين أفيرز" نفسها مقالته "خريف آيات الله" محاولاً التكهّن بما قد تكون عليه إيران بعد وفاة مرشدها الأعلى علي خامنئي، أو بعد إطاحته. طرح سجابور أسئلة كثيرة: "هل تكون إيران الصين ثانية فتنتقل من الحكم الثيوقراطي إلى النظام التكنوقراطي؟ هل تكون مثل باكستان، أي دولة أمنية بحتة يقودها كبار ضباط الحرس الثوري؟ هل تكون مرعبة ومعزولة مثل كوريا الشمالية؟ هل تتسم بسمات رجعية كما فعلت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟ هل تتحول إلى السلطوية المطلقة كما في تركيا اليوم؟". إن البحث عن إجابات شافية على هذه الأسئلة ضرب في الرمل، إلا أن الشافي هو إقرار سجادبور نفسه بأن "محاولة استخلاص تنبؤات واثقة بمستقبل إيران من فوضى تعم الشوارع ليست سوى ضربٍ من الوهم".

في الحقيقة، إن الكلام عن انهيار نظام الملالي بسبب نزول عدد قليل نسبياً من شبان إيران وشاباتها إلى الشوارع، ورفعهم شعارات مناهضة للنظام أو للعهد أو حتى للمرشد، ليس مطمئناً. فسجادبور وبيل، وهما الخبيران بإيران وشعابها، وصلا إلى يقين أن توسّل الحذر في إطلاق أحكام متسرعة يقيهما من الخيبة. فمنذ ثورة 2009 الخضراء وحتى الساعة، واجه نظام خامنئي معضلات سياسية – أمنية لا تقل خطورة على بنية النظام عن تلك التي واجهها الشاه في 1979 وأطاحته. وفي كل مرة، كان الخيار الوحيد هو تدخل الحرس الثوري الإيراني بعصاه الغليظة وإراقة الدماء في الشوارع وتعليق المشانق، وتغذية الفوضى بوضع شارع موالٍ عارم بوجه شارع معارض يبدو أمام جموع الموالين هزيلاً. وهذا يذكرنا بما قاله سكوت أندرسون، مؤلف كتاب "ملك الملوك: الثورة الإيرانية: قصة الغرور والوهم والخطأ الكارثي" (King of Kings: The Iranian Revolution: A Story of Hubris, Delusion and Catastrophic Miscalculation) الذي أرّخ فيه للثورة الإسلامية في إيران، عن ضعف الشاه واستسلامه، فيما يستبسل خامنئي بوجه معارضيه. وبحسبه، "لو تشدد الشاه رضا بهلوي وأصدر الأوامر لجنده بقتل الناس عشوائياً في الشوارع، لربما نجا نظامه وما رأينا الملالي في طهران". وهكذا، يبدو السؤال الآن، كما في كل موجة احتجاج: "إلى أي مدى يمكن الجندي الإيراني أن يواصل قتل الناس في الشوارع؟".

 

مسيرة نظمتها جمعية النساء الأنجلو- إيرانيات تضامناً مع المحتجين الايرانيين وسط لندن، 14 يناير 2026 (أ ف ب)
مسيرة نظمتها جمعية النساء الأنجلو- إيرانيات تضامناً مع المحتجين الايرانيين وسط لندن، 14 يناير 2026 (أ ف ب)

 

إن قناعة أغلبية الشعب الإيراني الراسخة بأن من حقّ بلاده أن تكون قوية، وأن تمتلك القوة الصاروخية والنووية اللازمتين لتعيش في عالم يحكمه الأقوياء، هي خط الدفاع الأول عن النظام الإيراني. فمن يناصرون خامنئي اليوم عاصروا صعوده إلى عرش المرشد في عام 1989، حين كان ميخائيل غورباتشيوف يهدّ أساسات الاتحاد السوفياتي ملبياً رغبات الغرب ومصدقاً وعوده بحياة روسية هانئة، ويعرفون أن الولايات المتحدة وجماعتها في أوروبا لن يستكينوا حتى يقلبوا النظام الذي هو نظامهم، ويطيحوا المرشد الذي هو في الأساس نائب الإمام المهدي الذي ينتظرون فرجه بفارغ الصبر. بالتالي، جهد الغرب موجه ضدهم في "الديني" وليس في "السياسي".

هذه عقيدة متوارثة في الإيرانيين من جيل إلى جيل، تأصلت في ذاكرتهم الجمعية ووجدانهم "السياسي" إلى حدود الخوف حتى من التفكير، لحظة واحدة، في معارضة النظام لأن في ذلك "شركٌ سياسي وديني"، إذ هي معارضة لإرادة الولي الفقيه الذي ينوب عن الإمام الغائب حتى ظهوره. وهكذا، أي معارض للنظام هو في نظر الجندي في الشارع شاذٌ عن القاعدة الشيعية الإمامية، وغافل عن الصراط الإيراني المستقيم، وشريك "العدوين الأكبر والأصغر" في مؤامراتهما على الإمام المهدي نفسه، ويحلّ إذاً قتله. هذا ما يُعيد إلى الملالي قدرتهم على الاستمرار في الحكم في أحلك الظروف وفي أضعف الأوقات التي تمرّ بها الجمهورية الإسلامية. وهذا ما يشكل خطّ الدفاع الثاني عن النظام، مهما تغيرت ظروف الاحتجاجات وتبدّلت أسبابها. وربما، لو قدّم النظام تنازلات قليلة في مسألة الحريات العامة، وفي الميدان الاقتصادي، لما رأينا احتجاجاً إيرانياً واحداً في الشارع.

إن المراهنة اليوم على أن النظام الإيراني ضعيف، وهذه اللحظة مؤاتية لعمل تغييري من الداخل، تبدو وهماً ووهناً. فالنظام القائم على الماورائيات لا تزحزحه إلا الماورئيات نفسها، وهذا ليس مطروحاً في المسألة الإيرانية. فلا العلمانية مقبولة ولا غيرها من النماذج الغربية التي يرى فيها الإيراني دفناً لإيمانه الديني، ولالتزامه العقائدي، ولنظام هو نظامه الخاص، حتى لو وصلت ملاحظاته السلبية على أداء رجال النظام إلى درجة الغليان. فسيتوجه غضبه ضد هؤلاء، فيما يبقى النظام منزّهاً. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 1/15/2026 1:08:00 PM
وزير الخارجية السعودي يجري اتصالات إقليمية لبحث تطوّرات الأوضاع في المنطقة
تحقيقات 1/16/2026 7:10:00 AM
على مسمع ومرأى العالم الذي تركهم يواجهون مصيرهم، يقوم سكان تجمع رأس شلال العوجا حالياً بتفكيك مساكنهم البسيطة، ويحمّلون مقتنياتهم بواسطة شاحنات صغيرة.
المشرق-العربي 1/16/2026 8:59:00 AM
برّاك: "الولايات المتحدة لا تزال على اتصال وثيق بجميع الأطراف في سوريا"
المشرق-العربي 1/16/2026 10:37:00 AM
"سانا": خروج مدنيين من قرية المبعوجة التابعة لمنطقة دير حافر في ريف حلب عبر طرق فرعية وزراعية خطرة