خلف ستار "الجمهورية الإسلامية": لماذا تُدار إيران بالتيارات لا بالأحزاب؟
تُقدم الجمهورية الإسلامية في إيران للعالم نموذجاً فريداً من "الديموقراطية الدينية"، نموذجاً يرتكز على صناديق الاقتراع لكنه يفتقر إلى محركاتها التقليدية: الأحزاب السياسية المستقلة. فمنذ قرار حل "حزب الجمهورية الإسلامية" في ثمانينيات القرن الماضي استُبدلت الهياكل الحزبية المستدامة بـ"أجنحة" و"تيارات" موسمية تظهر مع كل استحقاق انتخابي لتختفي خلف ستائر مراكز القوى السيادية.
هذا التغييب الممنهج للأحزاب لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان استراتيجية لضبط إيقاع التعددية تحت سقف "ولاية الفقيه"، وفق ما يقول معارضو النظام. واليوم، وفي ظل الانتفاضة الشعبية والمطالب المتزايدة بالتغيير، يبرز السؤال الجوهري: لو امتلكت إيران أحزاباً حقيقية، تملك حصانة دستورية وقواعد جماهيرية، فهل كان للشارع أن ينفجر بهذا الشكل العفوي والصدامي؟
يرى مراقبون أن غياب "الوسيط الحزبي" الذي يمتص الأزمات ويحول المطالب الشعبية إلى برامج سياسية، هو الذي جعل الصدام مباشراً بين الشارع ورأس السلطة، وحوّل الحراك من "مطالب إصلاحية" إلى "أزمة وجودية" للنظام برمته.
الخبير في الشأن الإيراني الدكتور محمد شمص يوضح، من بيروت، بأن الدستور الإيراني لا يمنع الحزبية، لكنه صهرها في "قوالب" كبرى.
الفلسفة الحزبية في طهران
يؤكد شمص، في حديثه لـ "النهار، أن الدستور في الجمهورية الإسلامية ينصّ صراحة على حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات، لكن ضمن أطر قانونية تتماشى مع مبادئ النظام الإسلامي وسقف الدولة. وبناءً على ذلك، تعجّ الساحة الإيرانية بعشرات الجمعيات المرخّصة، التي تمثل كافة شرائح المجتمع، بمن في ذلك الأقليات الدينية من مسيحيين، وأرمن، ويهود، وزرادشت، والذين يتمتعون بتمثيل حزبي وحضور فاعل في المجلس النيابي.
يوضح أيضاً بأن الأحزاب العريقة، مثل "الحزب الجمهوري" التاريخي، أو الأحزاب الحالية كـ "حزب الاعتماد" و"حزب المؤتلفة"، لم تتلاشَ، بل انضوت وتكتلت لاحقاً ضمن تيارين عريضين: التيار الإصلاحي والتيار المحافظ. وهذا النموذج يشبه إلى حد كبير النظام السياسي الأميركي، حيث تنضوي مئات الجمعيات والاتحادات تحت لواء الحزبين الكبيرين (الديموقراطي والجمهوري). وفي إيران، تتنافس هذه الأحزاب تحت مظلة التيارين عبر صناديق الاقتراع، بينما تظل بعض الجمعيات خارج هذا الاستقطاب الثنائي، وغالباً ما تكون حظوظها الانتخابية أقل.
صراع البرامج: "الكتلة الرمادية" وميزان القوى
يرى شمص أن المنافسة السياسية في إيران هي منافسة "برامج عمل" بامتياز، وليست مجرد شعارات. ويبرز الخلاف الجوهري في رؤية كل طرف للعلاقة مع الخارج، فالإصلاحيون يدفعون باتجاه علاقات قوية مع الغرب قائمة على التفاهمات، بينما يتمسك المحافظون بضرورة الندّية وعدم تقديم تنازلات مجانية. هذا الصراع ينعكس سنوياً في انتخابات دورية تشمل كافة مستويات الحكم، من رئاسة الجمهورية إلى المجالس المحلية.
أما عن خريطة الناخبين، فيكشف شمص عن أرقام لافتة، إذ يمتلك كل من التيارين (المحافظ والإصلاحي) قاعدة صلبة تُقدر بنحو 20 مليون ناخب لكل منهما، بينما تبرز "الشريحة الرمادية" التي تضم ما بين 5 إلى 10 ملايين ناخب. وهذه الشريحة، التي تمثلها جمعيات خارج القطبين، هي التي ترجح الكفة غالباً.
/WhatsApp%20Image%202026-01-15%20at%207.07.05%20AM.jpeg)
بالمقارنة مع الطرح الأول، يقدّم الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور حسن هاشميان، من واشنطن، وجهة نظر مغايرة، تصف المشهد السياسي الإيراني بـ "الديكتاتورية المغلفة بالانتخابات".
مجلس الخبراء... من "الرقابة" إلى "مجلس النيام"يرى هاشميان أن مفهوم "الجمهورية" في طهران بات مجرد "بضاعة مزيفة" تُصدَّر للخارج لتلميع صورة نظام يرتكز في جوهره على سلطة فردية مطلقة.
وفي حواره مع "النهار"، فكّك هاشميان آليات الحكم التي يصفها بأنها تجاوزت حدود السلطات التاريخية التقليدية.
يفتح هاشميان النار على الهيكل الدستوري للنظام، مشيراً إلى أن الولي الفقيه السيد علي خامنئي "يمارس سلطة مطلقة منذ 36 عاماً، من دون خضوع لأي مساءلة أو مؤتمرات صحافية".
ويركز هاشميان على "مجلس الخبراء" (المسؤول دستورياً عن اختيار وعزل المرشد وفق المادة 107)، واصفاً إياه بـ "مجلس النيام"، إذ تحوّل من هيئة رقابية إلى "مجلس مديح يضم مجموعة من الطاعنين في السن الذين يدينون بالتبعية المطلقة للمرشد".
ويوضح هاشميان بأن النظام يستخدم آلية "رفض الترشيح" كأداة هندسية "لإقصاء أي صوت معارض"، حتى من داخل الدائرة الإسلامية نفسها، مما حوّل المؤسسات المختارة إلى "عصابة تتبع المرشد بنسبة 100%".
ويؤكد أن هذه "الهندسة السياسية" تكتمل يوم الصندوق، إذ تسيطر الأجهزة الأمنية (الحرس والباسيج) على فرز النتائج، مما يجعل الأرقام المعلنة للمشاركة الشعبية محل شك كبير، ويجرد "الجمهورية" من مضمونها الحقيقي.
في ما يخص العلاقة مع واشنطن، يرى هاشميان أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن "القرار الفعلي محصور بيد المرشد ومافيات الاقتصاد الملحقة بالحرس الثوري، لكنها لا تهتم بشكل النظام بقدر اهتمامها بنتائج قراراته".
ويشير إلى وجود نوع من "التخادم" غير المعلن، إذ يحافظ النظام على المصالح الأميركية الحيوية (النفطية والقواعد العسكرية) في المنطقة رغم الشعارات المعادية، وهو ما ظهر جلياً في ملفات العراق واليمن.
أما عن الداخل الإيراني، فيؤكد هاشميان أن "التيار الإصلاحي" قد انقسم؛ قسم قبل بالمكاسب الاقتصادية وبقي تحت عباءة المرشد، وقسم "حقيقي" (مثل تاج زاده ونرجس محمدي ومير حسين موسوي) أدرك أن الإصلاح مستحيل دون المساس برأس السلطة، فكان مصير قادته السجون والإقامات الجبرية.
هذا الانسداد السياسي دفع الشارع الإيراني، بحسب هاشميان، إلى تجاوز ثنائية (إصلاحي/محافظ) ورفع شعار "تغيير النظام بالكامل"، معتبراً أن الضربة التي تلقتها كوادر النظام أخيراً في الصراع مع إسرائيل أدت إلى تخلخل واضح في مركزية القرار.
نبض