"غوغوش: صوتٌ آثم": صمت قسريّ ومنفى مفتوح
في مذكّراتها الجديدة "غوغوش: صوتٌ آثم"، تسرد النجمة الإيرانية، المولودة باسم فائقه آتَشين، حكايتها بوصفها مرآةً لمسار إيران الحديثة نفسها: ازدهار خاطف، انقطاع مباغت، صمت مديد، ومنفى لا يوحي بنهاية قريبة. لا مبالغة في العنوان، ولا زينة لغوية؛ "الآثم" هو الوصف الذي استُخدم لقمعها، واتهامٌ طاول المغنّيةً واستهدف فكرة صوت المرأة في الفضاء العام.
تبدأ أسطورة غوغوش في وقت مبكر يكاد يكون عبثياً. في عام 1955، يوم عيد ميلاد شاه إيران، تُستدعى ذات الخمس سنوات لتغنّي في القصر: طفلة تُزَجّ باكراً في مشهد الاستعراض، وتتعلّم أنّ الموهبة يمكن أن تكون سلعة بقدر ما تكون هبة. وفي الستينيات والسبعينيات، غصّت بها الساحة، من الأسطوانات إلى السينما والتلفزيون؛ فنانة تعيد ابتكار شكلها وصوتها باستمرار، إلى أن غدت اختصاراً لطهران الكوزموبوليتية. شعرها القصير وتنانيرها القصيرة شكّلت لغة مرئية للحداثة قرأتها كثير من النساء الإيرانيات كإذنٍ بالحركة. عبرت شهرتها الطبقات والإيديولوجيات: تغنّي في البلاط الإمبراطوري، وتُحتضن في الأوساط الفكرية وبين الفنانين اليساريين، ويعشقها أناس يختلفون في كلّ شيء تقريباً، ويجمعون على تكريمها.
صار انتماؤها إلى بلد أكثر من الانتماء إلى فئة محور إرثها. وتُصرّ غوغوش على ولاءٍ "لا سياسي" من نوع خاص: لا للأحزاب، بل للشعر والعاطفة والوطن. غير أنّ السياسة تتربّص لها. مع ثورة 1979 تحوّل المسرح إلى ما يُشبه مسرح الجريمة، وبعدها بعام اعتُقلت واستُجوبت، وأُجبرت على التوقيع على التخلّي عن مستقبلها: تعهّدٌ بعدم الغناء أو الأداء، والعيش كمواطنة مُطيعة. لأكثر من عقدين، يصبح غيابها عرضاً قائماً بذاته، قسرياً، يحوّلها إلى رمز لما قُتل وكُمِّم ودُفع إلى الظلمة. ومع ذلك، تتداول أغانيها في الخفاء، تُهرَّب ويُعاد تشغيلها سرّاً.
أشدّ مفارقات المذكّرات إيلاماً أنّ عودة غوغوش تبدأ بخيار يبدو، من الخارج، تمرّداً. فبعد فترة خارج البلاد اتّسمت بالهشاشة والاستغلال، تعود إلى إيران رغم الخطر الحقيقي، مدفوعة بما تصفه "ارتباطاً جسدياً تقريباً بالبلد"، أقوى من الخوف. تقرأها الدولة كفساد، بينما تقرأ كثير من النساء إسكاتها كجرحٍ شخصي. وحين يُسمح لها أخيراً بالمغادرة عام 2000، شكّل حفلها الأوّل في تورونتو عودةً وحدثاً تاريخياً: قرابة عشرين ألف شخص يلتقون فنانة لم يتوقّفوا يوماً عن حملها في ذاكرتهم.
اليوم، من منفاها في لوس أنجلوس، يتحدّد خطابها بحدّة زمن الحاضر وآلام إيران. تتحدّث عن العيش "بين القلق والأمل"، وعن رغبتها في أن تكون صوتاً للشباب، أولئك الذين صاروا، مثل مهسا أميني، رموزاً في صراعٍ على حرية الجسد والحياة العامة. وقد أعلنت غوغوش في كتابها أنّها "لن تعود إلى الغناء قبل أن ينال الإيرانيون حريتهم". بعد عمرٍ قيل لها فيه إنّ صوتها خطيئة، تطالب بأبسط الحقوق: أن يكون الغناء، مثل العيش، بلا إذن.
نبض