إيران في الحسابات الخليجية: إدارة التوتر لا إشعال المواجهة

ايران 16-01-2026 | 06:12

إيران في الحسابات الخليجية: إدارة التوتر لا إشعال المواجهة

يعكس الموقف الخليجي الموحّد من التطوّرات الإيرانية إدراكاً عميقاً بأن المرحلة الراهنة تتطلب أقصى درجات العقلانية.
إيران في الحسابات الخليجية: إدارة التوتر لا إشعال المواجهة
إيرانية تمر بجدارية للخميني في طهران. (وكالات)
Smaller Bigger


تنظر دول الخليج إلى إيران اليوم من زاوية أكثر تعقيداً وحذراً، في مرحلة تشهد فيها المنطقة تصاعداً ملحوظاً في التوترات وعودة لغة التحذير، سواء المباشرة أو غير المباشرة، من انزلاق محتمل نحو مواجهات أوسع. فالموقف الخليجي الموحّد لا يقوم على منطق التصعيد أو الرهان على الصدام، بل على قراءة واقعية ترى في إيران جاراً دائماً لا يمكن تجاهله، وفي الوقت نفسه مصدراً لمخاطر لا يمكن الاستهانة بها. هذا التوازن الدقيق هو ما يفسّر طبيعة الخطاب الخليجي الحالي، الذي يجمع بين ضبط النفس ورفع مستوى الجاهزية السياسية والأمنية، سعياً لمنع انتقال التوتر من مستوى الخطاب إلى مستوى الاشتباك الفعلي.

وخلال الفترة الأخيرة، ومع ازدياد حدّة التصريحات المتبادلة وارتفاع منسوب التحذيرات الإقليمية، تعاملت دول الخليج مع هذه التطورات باعتبارها مؤشرات إنذار مبكر لا يجوز التقليل من شأنها. فقد أثبتت التجارب السابقة أن التوتر حين يبدأ بالكلمات قد يتحوّل سريعاً إلى أفعال غير محسوبة، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع المصالح الدولية. ومن هنا، برز توجه خليجي واضح نحو احتواء التصعيد ومنع تحوّله إلى أزمة مفتوحة، نظراً إلى ما يحمله ذلك من كلفة باهظة على استقرار المنطقة واقتصاداتها.

ومن المنظور الخليجي، لا يُنظر إلى ما يجري داخل إيران أو حولها بوصفه شأناً داخلياً معزولاً، بل باعتباره عاملاً مؤثراً في أمن الإقليم ككل. فإيران دولة محورية بثقلها الجغرافي والسياسي، وأيّ اضطراب كبير في بنيتها الداخلية، أو أيّ مواجهة عسكرية مرتبطة بها، ينعكس مباشرة على أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، وحركة التجارة والاستثمار. ولهذا، تتقاطع العواصم الخليجية حول قناعة مفادها أن الانجرار إلى حرب مفتوحة في المنطقة، أو حتى إلى تصعيد غير مضبوط، لن يخدم مصالح أحد، وأن دول الجوار غالباً ما تدفع الثمن قبل الأطراف البعيدة عن مسرح الأحداث.

في هذا السياق، تحرص دول الخليج على الجمع بين مسارين متوازيين. يتمثل المسار الأول في رفع مستوى التحذير والجاهزية، سواء عبر الخطاب الديبلوماسي أو التنسيق الأمني، تأكيداً على أن أمنها وسيادتها يمثلان خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها. أما المسار الثاني، فيقوم على الإبقاء على قنوات التواصل والحوار مفتوحة، باعتبارها أداة ضرورية لتفادي سوء التقدير واحتواء أيّ تصعيد محتمل. وهذا النهج لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس إدراكاً بأن غياب الحوار في لحظات التوتر يزيد من احتمالات الانفجار ويقلّص هامش السيطرة على الأحداث.

أما في ما يتعلّق بسؤال تغيير النظام الإيراني، فلا يشكّل هذا السيناريو جزءاً من الرؤية الخليجية. فدول الخليج، وهي تراقب تصاعد التوتر وارتفاع التحذيرات، لا تبني حساباتها على فرضيات انهيار أو تغيير قسري، بل على إدارة واقع إقليمي معقّد بأقل قدر ممكن من المخاطر. فقد أظهرت التجارب أن الفوضى التي تعقب تغييرات غير محسوبة قد تكون أخطر من استمرار أوضاع مأزومة، وأن تداعياتها غالباً ما تتجاوز الحدود الوطنية.

في المحصّلة، يعكس الموقف الخليجي الموحّد إدراكاً عميقاً بأن المرحلة الراهنة تتطلب أقصى درجات العقلانية. فبين توترات تتصاعد وتحذيرات تتكاثر، تختار دول الخليج أن تحمي استقرارها ومشاريعها التنموية عبر سياسة متوازنة لا تنكر المخاطر ولا تنجرف خلفها، وتتعامل مع إيران بوصفها تحدّياً يجب إدارته بحكمة، لا أزمة ينبغي تفجيرها. وفي هذا الإطار، تبدو الديبلوماسية الخليجية أقرب إلى سياسة استباقية لا تنتظر انفجار الأزمات، بل تسعى إلى تطويقها قبل اتساعها، دبلوماسية توازن بين الواقعية والحذر، وتراهن على الحوار كأداة إدارة، لا كبديل من القوة، إدراكاً بأن الاستقرار اليوم هو شرط أيّ مستقبل تنموي غداً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 1/15/2026 9:20:00 PM
مزاعم عن اعتقال روحاني وظريف في طهران
"ثمّة خطر كبير بأن يصبح المتقدّمون من هذه الدول عبئاً عاماً وأن يعتمدوا على موارد الحكومة المحلية وحكومات الولايات والحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة"
سياسة 1/15/2026 6:13:00 PM
القضاء اللبناني يدعي على أربعة أشخاص بتهمة "التواصل" مع الموساد
سياسة 1/15/2026 7:00:00 PM
 سلسلة تعيينات إدارية جديدة، شملت إعادة تشكيل المجلس الأعلى للجمارك، في خطوة تندرج ضمن مسار تحديث الإدارة وتعزيز الحوكمة في المرافق الحيوية