تغيير النظام في إيران... التاريخ والدرس الشائك
يعدّ توقع سقوط الأنظمة واحداً من أصعب المهام في العلوم الاجتماعية، إن لم يكن أصعبها. قلة من المفكرين الأميركيين مثلاً توقعت سقوط الاتحاد السوفياتي حتى في أواسط الثمانينات.
على سبيل المثال، قال الديبلوماسي الأسبق جورج كينان، أحد أبرز مهندسي سياسة الاحتواء في الحرب الباردة، إنه يصعب التفكير بما هو "أكثر إثارة للاستغراب والدهشة" من تفكك الاتحاد. ولدى مراقبة التظاهرات الراهنة المناهضة لحكم المرشد الأعلى علي خامنئي، تهيمن صعوبات مشابهة.
التاريخ إن حكى
في البداية، عجزت الولايات المتحدة عن توقع سقوط نظام الشاه. في كلمة لا تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم، شرب الرئيس الأسبق جيمي كارتر نخب مضيفه محمد رضا بهلوي في كانون الأول/ديسمبر 1977، قائلاً إن إيران "واحة استقرار" في منطقة مضطربة. هذا مع العلم أن التظاهرات في تلك السنة كانت قد بدأت تتخذ طابع الديمومة.

تزداد صعوبة قراءة التطورات الراهنة في إيران مع أخذ بالاعتبار هشاشة ربط الحاضر بالماضي. وصف الديبلوماسي الأميركي الأسبق هنري كيسنجر التراث الإيراني التأسيسي بصفته إمبراطورية ترأّسها جهاز بيروقراطي خبير في إدارة مقاطعات مترامية الأطراف، مع جيش جرار متعدد الإثنيات اكتسب خبرته من التوسع في جميع الاتجاهات. وكان الإيرانيون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ناشرو رسالة إنسانية للعالم، مما حفّزهم على النظر إلى أنفسهم بفخر قومي متزايد. بمعنى آخر، إيران خبيرة بإدارة تناقضاتها الداخلية، ويساعدها في ذلك رابط قومي صلب.
ولا يوفر القرنان الماضيان أمثلة كثيرة عن ثورات أطاحت الحكم القائم. فتغيير الأنظمة كان يحصل في كثير من الأحيان عن طريق سيطرة قبائل على أخرى، كما حصل حين حلّ القاجاريون مكان الزِنديين (1794). وبالرغم من اغتيال عدد من القادة القاجاريين بمن فيهم المؤسس، استمر حكم الأسرة القاجارية حتى مجيء أحمد شاه. بين 1905 و1911، اندلعت الثورة الدستورية في إيران فأنشئت مؤسسات جديدة كالبرلمان الذي نحّى أحمد شاه سنة 1925 ورسّخ حكم آل بهلوي، بعد انقلاب رضا خان سنة 1921. وباستثناء انقلاب 1953 المدعوم من الغرب والذي لم يغيّر طبيعة النظام، كان على إيران الانتظار حتى سنة 1979 لتشهد تغييراً جذرياً كهذا.
ندرة الثورات الإيرانية في القرن الماضي تجعل الخروج باستنتاجات مستقبلية محفوفاً بالتعقيدات. بالمقابل، وفي السياق نفسه، لا تحل كثرة التظاهرات التي شهدتها إيران بعد سنة 1979 هذه المشكلة. فغالباً ما كان يقال إن هذه المرة "مختلفة" عن سابقاتها، قبل أن يتمكن النظام من إخماد الاحتجاجات.
ما لا يفكر به أحد
حتى حين يكون التاريخ أوضح "نسبياً"، نادراً ما تصدق التوقعات المستقبلية بالاستناد فقط إلى دروسه. فكيسنجر نفسه اعتبر في كتابه "النظام العالمي" أن نجاح الثورة الإسلامية في إيران كان الأقل احتمالاً بسبب سيادة أعلى درجات فن الحكم القائم على تراث المصلحة القومية-الوطنية خلال التاريخ الإيراني.
إذاً، أثبت نظام 1979 نجاحه في دمج العناصر القومية بالإسلامية. لكن لا يبدو أن هذا النجاح دائم. فتوسع إيران "الإسلامي" في الشرق الأوسط، والمتجلي في تحويل المليارات للحركات "الإسلامية" التابعة لها، يثير غيظ المتظاهرين كما يظهر من شعاراتهم: "لا غزة، لا لبنان، روحي فداء لإيران".

في المحصلة، إن كان التاريخ يبخل بالمعطيات عن الثورات الإيرانية فالحاضر يكشف أن النظام الحالي بات في ذروة ضعفه منذ وصوله إلى الحكم. بالحد الأدنى، لا أحد يفكر اليوم، عند سماعه كلمة إيران، بعبارة "واحة استقرار".
نبض