"هذه المرة مختلفة"... هل يقترب النّظام الإيراني من لحظة السقوط؟
فيما تتصاعد الاحتجاجات في إيران، يعود السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحاً: هل تقترب الجمهورية الإسلامية من لحظة السقوط؟ بين معارضة أكثر تماسكاً، ونظام أمني متآكل، وقيادة هرمة، تبرز مؤشرات غير مسبوقة قد تجعل هذه الانتفاضة مختلفة عن سابقاتها.
التظاهرات الحاشدة التي اندلعت ليل الخميس أعادت الأمل بالتغيير، ليس فقط بسبب حجمها، بل بسبب السياق السياسي والأمني غير المسبوق الذي تجري فيه.
أحد أبرز العوامل الجديدة هو بروز معارضة أكثر تماسكاً. للمرة الأولى منذ سنوات، ظهر رمز قيادي للشارع، تمثّل في ولي العهد المنفي رضا بهلوي، الذي دعا الإيرانيين إلى التظاهر في توقيت محدد. شكلت الاستجابة الواسعة لدعوته اختباراً حاسماً لقدرته على التأثير، وقد نجح فيه، إذ خرج المتظاهرون في مدن كبرى وصغرى على حد سواء. وبرغم الجدل المحيط بشخصيته، كونه عاش خارج البلاد ويمثل نظاماً ملكياً أُطيح عام 1979، فإن شريحة واسعة من المعارضين باتت تنظر إليه باعتباره "الخيار الوحيد المتاح" أو رمزاً جامعاً مرحلياً، لا مشروعاً لإعادة الملكية. أهمية ذلك تكمن في أن التوافق العابر للطبقات والتيارات السياسية كان عنصراً حاسماً في إسقاط نظام الشاه.
في المقابل، يبدو أن النظام نفسه يعاني وهناً متزايداً. فمنذ احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، بنى النظام جهاز قمع يعتمد على ثلاثة أسس: استخدام العنف المميت ضد المتظاهرين، وسجن أو نفي أو إعدام القادة والمتعاطفين، وتوجيهات واضحة من المرشد الأعلى إلى السلطات. لقد ضعفت هذه الأركان الثلاثة جميعها. وربما تكون على وشك الانهيار.
يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور نبيل خوري، لـ"النهار"، إن "هذه المرة، تندرج هذه الاحتجاجات في سياق إقليمي ودولي من شأنه أن يعزز فرضية حصول تغيير في النظام الإيراني".
ويضيف: "سياسات القوة والهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة في العالم، والتي تتماهى معها إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، والتي أدت إلى سقوط أدوات الردع التي زرعتها إيران في المنطقة، ناهيك بسقوط نظام الأسد في سوريا، من المرجح أن تنتهي بفعل ما، بكسر الحلقة الأخيرة في المحور الممانع، أو كما يقال، بقطع الرأس المدبر في طهران".
ويشير إلى أن "المشكلة تتمثل في عدم وجود ضمانات بحصول انتقال سلمي وسلس، وهذا ما يجعل مخاطر الفوضى محتملة. هذا المتغيّر، أي احتمال الفوضى في إيران وربما في بعض الشرق الأوسط، قد يربك الأجندة التي تطمح إلى سقوط النظام. لكن مما لا شك فيه، أن النظام الإسلامي في إيران يتخبط، ونفوذه الداخلي والخارجي آخذ في التراجع".

برغم تسجيل إطلاق نار وأعمال حرق استهدفت مؤسسات أمنية، أظهر النظام قدراً غير معهود من ضبط النفس، مع دعوات رسمية للتمييز بين المتظاهرين السلميين وأعمال الشغب، وغياب قوات الباسيج عن المشهد.
يعزو تقرير لـ"التلغراف" هذا التردد جزئياً إلى الضغط الخارجي، ولا سيما تهديدات ترامب بالتدخل العسكري في حال قتل متظاهرين. كما أن الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استمرت 12 يوماً في حزيران/يونيو العام الماضي أضعفت المنظومة الأمنية، وأظهرت هشاشتها واختراقها الاستخباراتي، خصوصاً بعد مقتل عدد من قادة الأمن والاستخبارات وتنامي الشكوك بوجود عملاء للموساد داخل مفاصل الدولة.
عامل آخر لا يقل أهمية هو ضعف القيادة العليا. فالمرشد الأعلى علي خامنئي، البالغ 86 عاماً، لم يعد يتمتع بالحيوية والقدرة على المناورة التي ميّزته سابقاً. ويطالب المتظاهرون صراحة برحيله، فيما يرى بعض المحللين أن بقاء النظام قد يتطلب تهميشه من الداخل. وبرغم تداول شائعات عن احتمال فراره، يرجّح التقرير أن موته أو عزله الداخلي أقرب من سيناريو الهروب.
يشير التقرير إلى علامتين حاسمتين يجب مراقبتهما: أولاً، رفض أو تجاهل الأجهزة الأمنية لأوامر قمع المتظاهرين، وثانياً، حدوث انشقاقات في قمة السلطة مع بدء هروب مسؤولين أو انضمامهم للمعارضة. وبرغم أن المستقبل لا يزال مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، إلا أن الأكيد أن أي تحوّل في إيران ستكون له تداعيات استثنائية على المنطقة والعالم.
نبض