فنزويلا في الخطاب الإيراني: انقسام في المواقف وتساؤلات عن المستقبل
في خضم الاحتجاجات المتفرقة على الغلاء في إيران، وبعد يوم واحد من رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعلن فيها دعمه للمتظاهرين الإيرانيين في حال تعرضهم لإطلاق النار من قبل الحكومة، جرى اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو الذي كانت تربطه علاقات وثيقة جداً بإيران في عملية مفاجئة، ونُقل إلى الأراضي الأميركية.
تاريخ العلاقات بين إيران وفنزويلا
تعود العلاقات السياسية والاقتصادية بين إيران وفنزويلا إلى عام 1947، إلا أن هذه العلاقات شهدت توسعاً ملحوظاً خلال رئاسة هوغو تشافيز في فنزويلا ومحمود أحمدي نجاد في إيران عام 2005.
وقد عكست ردود الفعل الإيرانية المتنوعة على هذا الحدث، والتي انتشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، حالة من الجدل تستحق التوقف عندها.
الموقف الرسمي
أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً بنظيره الفنزويلي، وصف خلاله تصرّف الولايات المتحدة بأنه مثال واضح على "الإرهاب الدولي" و"انتهاك صارخ للسيادة والإرادة الوطنية لشعب فنزويلا"، مؤكداً دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية للشعب والحكومة المنتخبة في هذا البلد.
وتبنت الصحف الأصولية المتوافقة مع المواقف الرسمية للجمهورية الإسلامية خطاباً مشابهاً، مؤكدة عدم شرعية اختطاف مادورو، واعتبرت أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو الوصول إلى الموارد النفطية الفنزويلية، من دون الإشارة إلى العلاقات الوثيقة التي جمعت مادورو بطهران في السنوات الأخيرة، أو إلى الارتباط المحتمل لهذه التطورات بالملف الإيراني.

ردود الفعل الشعبية
أعاد بعض المستخدمين نشر صور تُظهر أنصار تشافيز ومادورو وهم يحتجون في الشوارع على العملية الأميركية، فيما تداول آخرون صوراً ومقاطع فيديو تُظهر فرحة قطاعات من الشعب الفنزويلي بسقوط مادورو، وهم يمزقون صوره.
وقارن بعض المستخدمين ما جرى في فنزويلا بإسقاط حكومة الدكتور محمد مصدق في إيران قبل 73 عاماً (1953)، معتبرين أن الولايات المتحدة تنتهج سياسة نهب موارد الدول، وتنتهك القانون الدولي وفق "قانون الغاب" لتأمين مصالحها.
في حين شبّه آخرون التدخل الأميركي في فنزويلا بتدخلها السابق في العراق وأفغانستان، متوقعين أن يواجه المصير نفسه وينتهي بالفشل.
ونقل أحد الصحافيين المقربين من الحكومة تصريحاً للسياسي الروسي دميتري ميدفيديف، قال فيه إن "الضمان الوحيد للأمن هو امتلاك القوة النووية"، مستنتجاً أن على الجمهورية الإسلامية أيضاً امتلاك سلاح نووي لتأمين نفسها من خطر الهجوم الأميركي.
مقارنات مع إيران
أشاد بعض المعلقين بصمود إيران لمدة 12 يوماً في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرين أن سوريا لم تصمد أكثر من 12 ساعة، وأن فنزويلا لم تصمد سوى أربع ساعات، ما يدل – برأيهم – على عدم قابلية المقارنة مع إيران. وجاءت هذه المواقف رداً على من اعتبروا اعتقال مادورو رسالة أميركية مباشرة إلى الجمهورية الإسلامية، مفادها أنها قد تواجه مصيراً مشابهاً إذا لم تغيّر سياساتها.
وفي هذا السياق، برزت ردود فعل إيرانية على الشبكات الاجتماعية تختلف جذرياً عن الخطاب الرسمي. فقد أعاد كثيرون نشر مقاطع لنواب وشخصيات مقرّبة من الحكومة، ومقدمي برامج وخبراء في التلفزيون الرسمي، كانوا قد أكدوا في الأشهر الماضية أهمية العلاقة بين طهران وكاراكاس، واعتبروا أن مادورو قادر على الصمود في وجه الضغوط الأميركية، وأن على إيران دعمه بأي ثمن.
كذلك، انتشر على نطاق واسع مقطع من لقاء المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي مع مادورو عام 2022، حين قال إن الجمهورية الإسلامية "تمسك بيد أصدقائها في أوقات الخطر". وخلص هؤلاء المستخدمون إلى أن كثيراً من التصريحات والمواقف الرسمية في إيران تقوم على الأماني والتمنيات أكثر مما تقوم على قراءة واقعية للمعطيات.

الخسائر المالية لإيران
قال بعض المستخدمين أن إيران تطالب فنزويلا بسداد نحو ملياري دولار ثمناً لشحنات بنزين، وأن استعادة هذا المبلغ باتت مستحيلة أو شديدة الصعوبة بعد هذه التطورات. وأعربوا عن أسفهم لحجم الاستثمارات الإيرانية في فنزويلا خلال السنوات الأخيرة.
وقدّر الصحافي سيد هادي كسائي زاده الخسائر المالية لإيران جراء سقوط مادورو بنحو 4 مليارات دولار، أي ما يعادل 6% من إجمالي الموازنة الإيرانية. وكتب الصحافي علي رضا مباركي أن هذه الخسائر كانت كافية لتأمين الدعم لـ15 إلى 20 مليون شخص في المناطق المحرومة داخل إيران.
وتداول بعض الإيرانيين مقطع فيديو يُظهر عسكريين فنزويليين يخلعون زيهم العسكري وينضمون إلى الشعب، مع تعليقات تدعو قوات الأمن والشرطة في إيران إلى الوقوف إلى جانب المتظاهرين بدلاً من قمعهم.
دروس من سقوط الديكتاتوريين
قارن بعض المستخدمين مادورو بشخصيات مثل بشار الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي ومانويل نورييغا، معتبرين أن مصير أي ديكتاتور واحد، وأن نهايتهم لا تكون سعيدة. ورأى معارضو الجمهورية الإسلامية في ما جرى درساً وعبرة، مؤكدين أن نهايات الأنظمة الاستبدادية متشابهة.
ورأى آخرون أن فقدان الوحدة داخل فنزويلا، وضعف القيادة أمام الحرب النفسية الأميركية، كانا من الأسباب الرئيسية لفشل مادورو، داعين الجمهورية الإسلامية إلى استخلاص العبر من ذلك.
كذلك، اعتبر بعض معارضي النظام الإيراني أن سقوط حكومة مادورو يأتي في سياق تراجع نفوذ حلفاء إيران في العالم، بعد سوريا والقوى الوكيلة في الشرق الأوسط، مشيرين إلى أن المسؤولين الإيرانيين فقدوا أحد خيارات الهروب المحتملة، ولم يبقَ لهم سوى روسيا.
وكتب بعض المعارضين أنهم يسعون إلى إسقاط النظام، لكن ليس عبر تدخل خارجي كما في فنزويلا، بل عبر تحرك شعبي داخلي وتكثيف الاحتجاجات. وعلّق أحد المستخدمين قائلاً إن عام 2026 سيكون "عاماً مرعباً" حين ترى الولايات المتحدة تخطف رئيس دولة أخرى.
وقارن بعض المعارضين لرضا بهلوي، بوصفه بديلاً محتملاً لقيادة إيران، بينه وبين ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الفنزويلية والحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2025، معتبرين أن مواقف ترامب تجاه ماتشادو أظهرت أن الولايات المتحدة شريك غير موثوق، وأنها لن تمنح بهلوي دوراً حقيقياً في مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية.
في المحصلة، تتواصل الآراء المتباينة والمتناقضة داخل إيران حيال ما جرى في فنزويلا، غير أن اللافت هو حجم الاهتمام الشعبي الواسع بهذه التطورات، ولا سيما في ظل تزامنها مع الاحتجاجات الجارية في إيران ضد سياسات الجمهورية الإسلامية.
نبض