أوروبا تعيد تشكيل سياستها وعسكرها... لماذا انفجرت التظاهرات الآن؟
اشتعلت أوروبا، وتحولت شوارعها إلى ساحات تشبه الحرب. ما يحصل في شوارع فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وألبانيا وغيرها من الدول الأوروبية ليس سوى نتيجة طبيعية لعاملين مؤكّدين وثالث محتمل. العامل الأول هو تراجع الانفاق الخدماتي إثر تخصيص ميزانيات ضخمة لتطوير العسكر وارتفاع أسعار الطاقة. العامل الثاني هو التجاذب بين اليمين واليسار. والعامل الثالث المحتمل هو التدخل الاستخباراتي أو الاستثمار الخارجي.
انفاق غير متوازن
بعد بدء الحرب الأوكرانية، اتجهت أوروبا نحو العسكرة من جديد. خصّصت الدول الأوروبية ميزانيات ضخمة للصرف الدفاعي، منها ما تم توجيهه مباشرة إلى أوكرانيا، ومنها ما كان لتطوير ترسانات الدول العسكرية، كألمانيا التي خصّصت مئة مليار دولار. إضافة إلى رفع مساهمات الدول في "الناتو". كما ارتفعت أسعار الطاقة في أوروبا نتيجة وقف التعامل مع روسيا ثم أزمة مضيق هرمز.

بالمقابل، كان هذا الإنفاق المتصاعد على حساب القطاعات الخدماتية، بينها المدارس التي انطلقت منها الانتفاضات الطلابية. محلل الشؤون الخارجية أولريتش بومان يربط بين الإنفاق العسكري وتراجع الخدمات، ويعترف بأن بعض الموازنات العسكرية تكون أحياناً على حساب شؤون أخرى، وخفض ميزانيات الخدمات كان دون بدائل، مشيراً إلى رفع بعض المحتجين مطالب وقف تمويل الحرب.
انتقال التظاهرات من دولة إلى أخرى مردّه عاملان، وفق ما يقول بومان لـ"النهار". العامل الأول بنيوي مرتبط بالتضخم وارتفاع أسعار الطاقة وغياب الإصلاحات المطلوبة والتعقيد الحاصل على مستوى الاقتصاد والإنفاق، إضافة إلى الوضع السياسي غير المستقر؛ وهي دوافع تدفع نحو الاحتجاج. أما العامل الثاني، فعدوى التظاهر "أمر شائع" سياسياً، وحصل في تجارب كثيرة كـ"الربيع العربي".
تجاذب اليمين واليسار
التظاهرات بمضمونها تعكس حجم انقسام سياسي عميق في أوروبا. خريطة التوازنات السياسية تبدّلت خلال السنوات الماضية. تصاعد اليمين بشكل كبير، فعاد إلى السلطة في إيطاليا من خلال جورجيا ميلوني، ويقترب من قيادة فرنسا عبر مارين لوبان، في وقت يحقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" نتائج انتخابية متقدمة. في المقابل، يتراجع اليسار على وقع قضايا لا تخدم سرديته، كالمهاجرين وارتفاع تكاليف الحروب خارج أوروبا.
تجاذب اليمين واليسار يتصاعد، وقضايا الهجرة والإنفاق على الحروب، كأوكرانيا والشرق الأوسط، تتصدّر المشهدية. تصب العوامل السياسية والديموغرافية والاقتصادية في صالح اليمين الذي يتقدّم بشكل كبير في أوروبا؛ وائتلافات اليسار لا تبدو قادرة على تطويقه في الانتخابات. والتظاهرات الطلابية موقع تجاذب واسع بين يسار يحاول تقليل خسائره، ويمين يتهم اليسار والمهاجرين بتخريب أوروبا.

في هذا السياق، يتطرّق بومان إلى التنافس المحموم الجاري بين اليمين واليسار في القارة. ووفق تقديره، فإن اليمين يستعرض ويستغلّ ما يحصل في الشوارع، ويوظفه في إطار السباق السياسي والانتخابي، كاتهام المهاجرين بالتسبب بالفوضى ووقوف اليسار خلفهم وخلف وصولهم إلى أوروبا. ويشير بومان أيضاً إلى غياب التيار المعتدل الوسطي في أوروبا.
فرضية التدخل الخارجي
لا يمكن فصل ما يحصل في أوروبا عن علاقة القارة بروسيا والولايات المتحدة. قد لا تكون الأطراف الخارجية عاملاً محركاً للاحتجاجات، وقد تكون. لكن ما هو مؤكّد أن الخارج وأجهزة استخباراته سيستغل ما يحصل في الشوارع لمحاولة الضغط على قيادات الدول الأوروبية للالتفات نحو القضايا الداخلية والخدماتية والالتهاء عن الحرب الأوكرانية والإنفاق الدفاعي.

لا يستبعد بومان وجود صلات خارجية بما يحصل، ويقول إن خصوم أوروبا "يستثمرون" في ما يحصل وعبر كل ثغرة. ويرصد بومان حسابات عنكبوتية وشبكات إخبارية من روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة تعمل على تضخيم المشهدية في أوروبا وبث فيديوهات مولّدة بالذكاء الاصطناعي، والهدف تعميق الانقسامات وإضعاف أوروبا.
في المحصلة، المشهدية الأوروبية خطيرة، وتعكس أزمة بنيوية. أوروبا في مرحلة جديدة مختلفة عما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية. اليمين يعود بقوّة إلى الحكم وإلى الجماهيرية، والحروب تهدّدها مع تكثيف جهود التسليح والاستعداد في أكثر من دولة، على رأسها ألمانيا التي رصدت 100 مليار دولار لتطوير ترسانتها العسكرية، والأنظار تتجه نحو المتغيرات التي لن تقف حدود تأثيرها على أوروبا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ماذا كشفت معلومات "النهار"؟
نبض