فرنسا تشتعل... علامة أخرى على نهاية التاريخ؟
قراءة الأحداث الفرنسية من بوابة مذكّرات فرنسيس فوكوياما الأخيرة قد تقدّم أجوبة أولية.
كان المفكّرَ السياسيَّ الأكثر إثارة للجدل في أواخر القرن العشرين. وأقرّ بأن عنوان كتابه آنذاك ساهم كثيراً في صعود نجمه: "نهاية التاريخ والرجل الأخير". بعد نحو أربعة عقود، أصدر فرنسيس فوكوياما سيرة ذاتية في صيف 2026 بعنوان"في رِحاب الرجل الأخير".
في السيرة تأكيدٌ للكثير مما كتبه سنة 1992، لكن أيضاً جانب وازن من النقد ذاتي. حرائق فرنسا تعيد العالم إلى "رحاب الرجل الأخير"، ولأكثر من سبب. في انتقادهم لـ "الانتصارية" التي أعلنها فوكوياما في كتابه الأول (وقبله في مقال عبر "ناشونال إنترست" سنة 1989 تحت العنوان نفسه تقريباً)، شدّد البعض على أن الديموقراطية الليبرالية تراجعت وأن الخضّات الكبيرة التي تعصف بالدول الغربية دليل حاسم على ذلك.
فرنسا... "نهايتان" للتاريخ
يذكّر فوكوياما بأنّ فكرة "نهاية التاريخ" اقتبسها من تطوير الفيلسوف الروسي-الفرنسي ألكسندر كوجيف (1982-1986) لفلسفة جورج هيغل. لم تعنِ العبارة نهاية الحروب أو الثورات، وإنما وصول الإنسان إلى نهاية الطريق في ابتكار أفضل الممكن من أشكال الحكم السياسي وأوسعها انتشاراً. اللافت أن كوجيف نفسه حدّد نهاية التاريخ بعد فترة قصيرة من نجاح الثورة الفرنسية، وبالتحديد سنة 1806 حين انتصر نابليون بونابرت على المَلَكية البروسيّة. مع ذلك الانتصار، كان انتشار مبادئ الثورة الفرنسية المستندة إلى الحرية والمساواة مسألة وقت.

لكن إذا كانت مبادئ الثورة الفرنسية ملهمة لقسم كبير من العالم، فلماذا يخرّب بعض الفرنسيين أنفسهم ما أنتجته بلادهم؟ هنا يُقرن فوكوياما جوابه بمفهوم "الرجل الأخير"، وهو مصطلح ازدرائي للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه. اعتبر نيتشه أن الإنسان الأخير هو ذاك القانع بالعالم المادي والمجرد من أي تطلع إلى ما هو "أسمى" من ذلك. كان نيتشه ينفر مثلاً من الليبرالية البريطانية لأنها "تسطّح" آفاق الإنسان. يذكّر فوكوياما أيضاً بأنه توقع سنة 1992 الكثير مما يحصل اليوم. فحين تنتصر الديموقراطية الليبرالية، سيسعى الإنسان إلى النضال من أجل النضال، بل حتى إلى الانقلاب على القضية العادلة التي حمل شعارها سابقاً.
إذاً، وبشكل جزئيّ على الأقل، يعكس ما يحصل في فرنسا اليوم نظرية "النضال من أجل النضال" التي توقعها فوكوياما. وكتب سنة 1992: "إذا كان الجزء الأعظم من العالم الذي يعيشون فيه متّسماً بديموقراطيّة مسالمة ومزدهرة، فعندها سيناضلون ضدّ ذلك السلام والازدهار، وضدّ الديموقراطيّة". لكن القصة لا تنتهي هنا.
فرنسا والتيارات "العدمية"
ما يحصل في فرنسا، خصوصاً عند جزء من اليسار المتشدّد ليس فقط مجرّد انحراف اعتباطي عما كان يُفترض أن يكون مطالب اجتماعية. يجد قسم من التيار المتمرد هناك جذوره الفكرية في أعمال الفلاسفة "التفكيكيين" كميشال فوكو وجاك دريدا. في سيرته، يسرد فوكوياما كيف سافر إلى فرنسا لتعلم فلسفة "ما بعد الحداثة" من "الأسياد" في هذا المجال. لاحقاً، اكتشف أن هذا الفرع من العلوم هو مجرد "هراء" و"مشاريع عدمية" لأنه دمّر الخطاب العقلاني والفلسفة نفسها، بشكل يشبه أيضاً فلسفة نيتشه ومارتن هايدغر (مع تمييزه بين فروق دقيقة تفصل المعسكرين). حتى والده الليبرالي أطلق نعتاً لاذعاً ضد المجال الذي دخله نجله موقتاً في أواسط السبعينات. لن يوافق الجميع على أن فلسفة دريدا وفوكو (وآخرين في أوروبا مثل فردينان دو سوسور وجوليا كريستيفا...) هي عدمية، لكن حجم التدمير في التظاهرات الأخيرة يؤسّس إمكانية لإقامة ترابط كهذا، وإن كان غير مباشر، ولا يشمل كل اليسار المتشدد. لكن موقف فوكوياما واضح من الأفكار الخطرة التي بشّر بها هؤلاء في ظل توسع الاتحاد السوفياتي. وعلى أي حال، لم يكن فوكوياما الوحيد الذي انتقد مساهمات الفلاسفة التفكيكيين في نشر الفوضى.

يرى فوكوياما أن التصويت لليمين بشكل كبير حول العالم دليل على أن حالة الاستياء تعبير غالب عن حالة نفسية أكثر منها مطلبية/معيشية، لأنه لو كان الأمر كذلك، لصوّت الناس لأحزاب يسار الوسط. ويلاحظ أن الذين هاجموا مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021 (لا يوفّر فوكوياما الرئيس الأميركي دونالد ترامب من انتقاداته) ينتمون بمعظمهم إلى الطبقة الوسطى. وما يحصل في فرنسا اليوم قريب نسبياً مما يحصل في الكثير من الدول الأوروبية: "لقد أتمّ الاتحاد الأوروبي كل وعده بالسلام والازدهار، مع ذلك بات العديد من الأوروبيين ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي نفسه بصفته استبداداً"، كما أضاف فوكوياما.
ما لا يريدونه في المنزل
بحسب المؤلّف، لا يزال جميع منتقدي الديموقراطية الليبرالية من أقصى اليمين واليسار يعجزون عن إيجاد بديل حيوي يلقى بقبول كبير حول العالم. هذا بالرغم من أن فوكوياما منفتح على تغيير نظرته في حال نجحت البدائل المحتملة. في هذا الوقت، كل المطالب والمشاكل المتبقية ستُحلّ بطريقة تقنية وبطيئة ومملّة؛ والملل صفة سائدة في نهاية التاريخ بحسب فوكوياما. وثمة جملة يمكنها تلخيص الكثير من أسباب الاستياء من الديموقراطية الليبرالية: إن ناشطين كثراً، بحسب الكاتب، "لا يريدون أن يكونوا آخر رجال يعبثون في المنزل الذي بني لهم في نهاية التاريخ".
الطامة أن بعضهم لا يعبث في المنزل، بل يدمّره على رأسه.
نبض