غضب طلاب فرنسا يدخل فصله الرابع... وتصاعد المخاوف من توظيفه سياسياً
تدخل التعبئة الطلابية في فرنسا غداً الخميس محطتها الرابعة، بعد يوم ثالث شهد توتراً وانتشاراً أمنياً كثيفاً، فيما اتسعت حركة بدأت بمطالب مرتبطة بواقع المؤسسات التعليمية لتعكس قلقاً أعمق لدى الطلاب حيال مستقبلهم، وسط مخاوف من انتقال قضيتهم إلى قلب الصراع السياسي مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي في البلاد.
وشارك في تظاهرات الثلاثاء 266 ألف شخص وفق وزارة الداخلية، فيما رفعت المنظمات الطلابية العدد إلى 450 ألفاً. وأوقفت الشرطة 488 شخصاً في مختلف أنحاء البلاد، ليرتفع إجمالي عدد الموقوفين منذ اتساع الحركة في 28 أيلول إلى 6547 شخصاً، فيما أُصيب 43 عنصراً من قوات الأمن.
واندلعت صدامات في ختام التظاهرة في باريس، بعدما ألقى عشرات المتظاهرين، وكان كثير منهم ملثمين، مقذوفات باتجاه قوات الأمن، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية. وكانت مديرية الشرطة قد تحدثت قبل ذلك عن وجود "300 شخص معادٍ".
وفي مدن أخرى، جرت غالبية المسيرات بهدوء، قبل تسجيل توترات عند التفريق في مدن بينها ليون ورين وتولوز، فيما مرت تحركات أخرى من دون حوادث كبيرة.
مطالب التعليم والسياسة تدخل على الخط
خلف مشاهد المواجهة، يصر الطلاب على أن تحركهم يعكس مشكلات يعيشونها يومياً داخل مؤسساتهم التعليمية. ويتحدثون عن مستقبل يزداد غموضاً، وعن مدارس عاجزة عن توفير الحد الأدنى من ظروف التعلم، وعن شعور متنامٍ بأنهم يستعدون لحياة مهنية واجتماعية صعبة من دون الحصول على التعليم والموارد الضرورية.
وتتمثل أبرز مطالبهم في معالجة النقص في أعداد المدرسين والموظفين، والحد من الاكتظاظ داخل الصفوف، وتحسين المباني والمرافق، ووضع حد لتدهور الخدمات الأساسية، حتى إن بعض المؤسسات تعاني من دورات مياه غير صحية.
ويرى الطلاب أن هذه الظروف تؤثر في تحصيلهم الدراسي وفرصهم المستقبلية، خصوصاً مع اتساع الفوارق بين المؤسسات والمناطق الاجتماعية.
وامتدت الحركة الثلاثاء إلى الجامعات، إذ شهد نحو 40 في المئة من مؤسسات التعليم العالي الحكومية اضطرابات، بين إغلاقات كلية أو جزئية وعمليات احتلال للمباني وقرارات إدارية بتعليق الدراسة، وفقاً للوزارة.
كما شارك عدد من الشخصيات السياسية اليسارية في التظاهرات، بينهم زعيم "فرنسا الأبية" ومرشحها للرئاسة جان لوك ميلانشون، ورئيس بلدية سان دوني بالي باغايوكو، وزعيمة حزب الخضر مارين تونديلييه، والأمين الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور.
ويثير هذا الحضور السياسي انقساماً بين الطلاب. فبعضهم يرى أن دعم الأحزاب اليسارية يمنح الحركة صوتاً أقوى داخل المؤسسات السياسية ويساعد في نقل مطالبها إلى البرلمان ووسائل الإعلام. ويخشى آخرون أن يجري استخدام احتجاجاتهم في معارك حزبية تطغى تدريجاً على أولوياتهم التعليمية.
ويذهب منتقدو الحركة إلى اتهام ميلانشون و"فرنسا الأبية" بالسعي إلى استثمار الغضب الطلابي في مرحلة انتخابية محتدمة. ويرون أن حضور قيادات الحزب وخطابها الداعم للاحتجاجات قد يدفعان الحركة نحو أجندة معارضة أوسع من مطالبها التعليمية.
ويرفض مؤيدو الحركة هذا الاتهام، ويؤكدون أن الطلاب خرجوا إلى الشارع بسبب أوضاع يعيشونها يومياً، وأن الدعم السياسي لا يعني التحكم في قراراتهم أو اختزال مطالبهم في حسابات حزبية.
ويقول طلاب إنهم لا يريدون التحول إلى واجهة لصراع بين السلطة والمعارضة، وإن قضيتهم ترتبط بحقهم في تعليم لائق ومستقبل لا تحدده مسبقاً المدرسة التي يدرسون فيها أو المنطقة التي ينتمون إليها. كما يخشون أن يؤدي تسييس الحركة، من الحكومة أو المعارضة، إلى إضعاف مطالبهم ودفع المواجهة نحو مزيد من التشدد.
نصف يوم للحوار والعنف يرفع المخاوف
ودعا رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الطلاب إلى العودة إلى مؤسساتهم التعليمية اعتباراً من الأربعاء، معلناً تخصيص نصف يوم، تختاره كل مؤسسة حتى نهاية الأسبوع، من دون دروس لإتاحة "وقت للديموقراطية الداخلية داخل الثانوية".
غير أن ممثلي مديري المؤسسات التعليمية اعتبروا تنظيم ذلك بهذه السرعة بالغ الصعوبة، في ظل اتساع الاحتجاجات وصعوبة ضمان انتظام الدراسة وسلامة الطلاب والموظفين.
وبلغ عدد المدارس الثانوية التي شهدت الثلاثاء تعليقاً كلياً أو جزئياً للدروس 891 مدرسة من أصل نحو 3700 في البلاد، وفق وزارة التربية. ويعكس الرقم حجم الحركة، كما يكشف عن كلفة دراسية يتحملها الطلاب أنفسهم، ولا سيما المقبلين على امتحانات حاسمة أو الانتقال إلى التعليم العالي وسوق العمل.
وتصاعد العنف منذ بدء الحركة. ففي لانس، بُترت يد طالب في الخامسة عشرة إثر انفجار قنبلة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد ملابسات إصابته. وفي تور، فقد طالب في السادسة عشرة البصر في عينه اليمنى، بإصابة قالت النيابة إن آثارها تتوافق مع قذيفة مطاطية. وفي بلفور، تعرض شرطي للضرب المبرح بعدما سقط أرضاً خلال مواجهات مع شبان.
وأدت هذه الحوادث إلى زيادة المخاوف داخل صفوف الطلاب من انحراف الحركة عن أهدافها، ومن دخولها في حلقة من العنف والتشدد الأمني تدفع المطالب التعليمية إلى الهامش.
وفي تطور لافت اليوم، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز تعليق استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع الحركة الطلابية في انتظار اتضاح ملابسات إصابة لانس، مشيراً إلى وجود 18 تحقيقاً لدى المفتشية العامة للشرطة الوطنية مرتبطة بالأحداث.

من كريتاي إلى أنحاء فرنسا
وانطلقت شرارة التحرك في 17 أيلول من ثانوية أنطوان دو سانت إكزوبيري في كريتاي، حيث بدأ المدرسون احتجاجاً على الوظائف الشاغرة والنقص في الطواقم والموارد، قبل أن ينضم إليهم الطلاب في اليوم التالي ويبدأوا إغلاق الثانوية.
وسرعان ما اتسعت رقعة الغضب بين طلاب المدارس الثانوية احتجاجاً على تدهور أوضاع مؤسساتهم والنقص في المدرسين والاكتظاظ داخل الصفوف وتردي المباني والمرافق.
وامتدت الحركة إلى المدارس الثانوية الحكومية في مختلف أنحاء فرنسا، كما انضم إليها طلاب من مؤسسات أخرى تضامناً مع زملائهم، حتى من مدارس خاصة لا تواجه الظروف نفسها. ويعكس هذا الاتساع شعوراً يتجاوز المشكلة التي بدأت منها الحركة إلى قلق أوسع لدى جيل يرى مستقبله مهدداً بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى الطلاب ومؤيدوهم أن الحكومة أعطت الأولوية للمقاربة الأمنية، وأن انتشار قوات الأمن وارتفاع عدد التوقيفات عمّقا انعدام الثقة بين الشباب والسلطات. وتؤكد الحكومة من جهتها أن تدخل قوات الأمن يستهدف مواجهة أعمال العنف وحماية الأشخاص والمؤسسات.
وبينما تدعو السلطات إلى العودة إلى الصفوف، يطالب الطلاب بضمان أن تكون مدارسهم أماكن آمنة وصالحة للتعلم، وأن تُعالج المشكلات التي دفعتهم إلى الشارع.
ومع دخول التعبئة محطتها الرابعة غداً، تتجه الأنظار إلى قدرة الحركة على الحفاظ على زخمها وتوسيع نطاقها، وسط دعوات إلى مواصلة التحرك.
كما يُتوقع أن يشهد يوم 21 تشرين الأول محطة احتجاجية جديدة، وفق ما يتداوله منظمو التعبئة، فيما لم تُحسم تفاصيلها النهائية بعد.
وقد يشكل الموعدان اختباراً لقدرة الحركة على توحيد صفوف الطلاب حول مطالب تعليمية واضحة، وسط تصاعد العنف والاستقطاب السياسي.
وتبقى الحركة مفتوحة على مسارات عدة. فقد تمنح أزمة التعليم موقعاً متقدماً في النقاش الوطني، وقد تدفع المواجهة الأمنية والسياسية المطالب الأصلية إلى الخلف. وبين المسارين، يواصل الطلاب التعبير عن خوفهم من مستقبل لا يرون ملامحه بوضوح، وعن رفضهم التحول إلى وقود لمعركة انتخابية، فيما يبقى التحدي الأساسي إبقاء التعليم في صدارة حركة بدأت من الصفوف واتسعت إلى الشارع الفرنسي.
نبض