أوكرانيا تبحث عن الجنود... هل تكفي القوة البشرية لحرب أطول؟

أوروبا 08-09-2026 | 10:55

أوكرانيا تبحث عن الجنود... هل تكفي القوة البشرية لحرب أطول؟

30 ألف مجند شهرياً و200 ألف غائب عن وحداتهم. أرقام تكشف حجم أزمة القوة البشرية في أوكرانيا وقدرتها على إبقاء الجبهة متماسكة إذا امتدت الحرب إلى 2027.
أوكرانيا تبحث عن الجنود... هل تكفي القوة البشرية لحرب أطول؟
مجندون أوكرانيون خلال تدريب عسكري في منطقة زابوريجيا في 24 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تحتاج أوكرانيا إلى ما لا يقل عن 30 ألف مجند شهرياً للحفاظ على وضعها الحالي في الجبهة، وفق ما أعلنه رئيس مكتب الرئيس الأوكراني كيريلو بودانوف في 28 آب/أغسطس. يتزامن هذا التقدير مع حملة حكومية لاستعادة عسكريين غادروا وحداتهم من دون إذن، قبل انتهاء مهلة عودتهم عبر مسار مبسّط في 20 أيلول/سبتمبر.

ويكشف تزامن الخطوتين حجم الضغط على منظومة التعبئة بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من الحرب؛ فكييف تحتاج إلى تعويض الخسائر والغياب عن الوحدات، وتأمين بدلاء للقوات التي تحتاج إلى الراحة والتدوير، والحفاظ في الوقت نفسه على عدد كافٍ من العناصر المدربة داخل الوحدات القتالية.

 

200 ألف خارج وحداتهم

 

تظهر إحدى أكبر نقاط الضعف في أعداد العسكريين الذين غادروا وحداتهم من دون إذن؛ ففي 14 كانون الثاني/يناير، قال ميخايلو فيدوروف أمام البرلمان، يوم تعيينه وزيراً للدفاع، إن نحو 200 ألف عسكري كانوا في حالة غياب من دون إذن، إلى جانب نحو مليوني شخص مطلوبين على خلفية مسائل مرتبطة بالتعبئة.

وتسمح الآلية المطبقة حالياً للعسكريين الذين سُجل غيابهم حتى 12 حزيران/يونيو بالعودة إلى الخدمة عبر مسار مبسّط حتى 20 أيلول، مع إمكان اختيار وحدة جديدة من قائمة تضمّ أكثر من 70 تشكيلاً. وبعد انتهاء المهلة، تجري العودة عبر كتائب الاحتياط والإجراءات القضائية العادية.

وتمنح عودة هؤلاء الجيشَ عناصر سبق لها أن خضعت للتدريب واكتسبت خبرة ميدانية يصعب تعويضها سريعاً، في وقت تعاني بعض الوحدات الأمامية نقصاً واضحاً في الأفراد. وتشير دراسة لمركز الدراسات الشرقية البولندي "OSW" إلى أن نقص القوة البشرية دفع الجيش الأوكراني منذ 2025 إلى وقف تشكيل ألوية جديدة وإعادة توزيع أفراد بعضها على وحدات قائمة. ويقدّر المركز مستوى ملاك بعض ألوية الجبهة بما بين 40 و60 في المئة، فيما تشير شهادات عسكريين إلى أن الموجودين مباشرة في الخطوط الأمامية قد يشكّلون بين 20 و30 في المئة من القوة المقررة في بعض التشكيلات.

وتتركز الضغوط خصوصاً في وحدات المشاة التي تتحمل العبء الأكبر في إمساك المواقع وتعويض الخسائر اليومية. أما الحجم الإجمالي للجيش فيشمل قوات الدفاع الجوي واللوجستيات والقيادة والصيانة والاستخبارات والاتصالات وسائر وحدات الدعم.

 

شهران في الموقع... والتدوير يتعثر

 

ظهر أثر النقص في الجبهة مع روسيا بصورة واضحة في الربيع؛ ففي 30 نيسان/أبريل، وبعد غضب أثارته أوضاع جنود أمضوا فترات طويلة في المواقع الأمامية، أصدر القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، أولكسندر سيرسكي، أمراً يحدّد بقاء العسكري في الموقع بمدّة تصل إلى شهرين، على أن تتم عملية تبديله خلال شهر. وشمل القرار فحوصاً طبية وفترات راحة بعد المهمات القتالية.

وبحلول 14 تموز/يوليو، كانت 72 في المئة من عمليات التدوير التي راقبتها القيادة قد نُفّذت وفق التعليمات - وفق سيرسكي - فيما عجزت بعض الألوية عن الالتزام بالمواعيد المحددة. وكان نحو عشرين عسكرياً قد أمضوا 200 يوم أو أكثر في الخطوط الأمامية من دون تدوير.

ويزداد تدوير القوات صعوبة مع توسع استخدام القوات الروسية للمسيّرات في مراقبة طرق الحركة قرب الجبهة واستهدافها. وقال سيرسكي إن انتشار المسيّرات جعل إدخال الجنود إلى بعض المواقع وسحبهم منها أكثر تعقيداً وخطورة.

وتكشف صعوبة التدوير محدودية الاحتياط المتاح للوحدات الأمامية، إذ قد يؤدي سحب عناصر من أحد القطاعات إلى إضعافه أو نقل العبء إلى تشكيلات تعاني بدورها نقصاً في الأفراد.

 

جنود أوكرانيون يتوجهون إلى مواقعهم في بلدة دروجكيفكا على جبهة دونيتسك في 2 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب)
جنود أوكرانيون يتوجهون إلى مواقعهم في بلدة دروجكيفكا على جبهة دونيتسك في 2 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب)

 

كييف تغيّر شروط الخدمة

 

دفعت هذه الضغوط كييف إلى تعديل شروط الخدمة. ففي حزيران، بدأت تطبيق عقود عسكرية جديدة بمدد تتراوح بين 6 و24 شهراً، تمنح العسكري موعداً محدداً لانتهاء خدمته، مع حوافز مالية أكبر للمشاة وقوات الاقتحام.

ويبلغ متوسط دخل عناصر هذه الوحدات بموجب النظام الجديد نحو 300 ألف هريفنيا شهرياً، أي قرابة 6700 دولار، ويمكن أن ترتفع المدفوعات إلى 460 ألف هريفنيا، أي نحو 10300 دولار، وفق طبيعة المهمة ومستوى الخطورة.

كذلك، وسعت أوكرانيا استقطاب المتطوعين الأجانب. وأعلن فيدوروف في حزيران خطة تستهدف رفع نسبتهم في بعض وظائف المشاة وقوات الاقتحام إلى ما بين 30 و50 في المئة، إلى جانب تسهيل انتقال العسكريين بين الوحدات.

يضاف إلى ذلك ارتفاع متوسط أعمار القوات، إذ تشير تقديرات غربية إلى أن متوسّط عمر العسكري الأوكراني يناهز الـ 45 عاماً، فيما تبدأ التعبئة الإلزامية عند سن الـ 25 عاماً. ويظهر أثر هذا العامل بصورة أكبر في المشاة والوحدات التي تتطلب جهداً بدنياً مرتفعاً وخدمة طويلة في ظروف ميدانية قاسية.

 

حرب الاستنزاف وحساب السنوات

تقدّر دراسة حديثة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" مجموع خسائر القوات الأوكرانية ما بين شباط/فبراير 2022 وحزيران 2026 بما بين 525 ألفاً و625 ألف قتيل وجريح ومفقود، بينهم نحو 125 ألفاً إلى 150 ألف قتيل. وتبقى تقديرات الخسائر عرضة لهوامش واسعة من عدم اليقين في ظل محدودية البيانات الرسمية وصعوبة التحقق المستقلّ منها.

تتراكم هذه الخسائر فوق سنوات من الخدمة الطويلة ونقص المشاة والغياب عن الوحدات، كما تفقد التشكيلات مع القتلى والجرحى الذين تطول فترات علاجهم والعسكريين الذين يغادرون الخدمة جزءاً من الخبرة التي راكمتها منذ بداية الحرب.

لذلك، وسّع الجيش استخدام المسيّرات والأنظمة غير المأهولة لتخفيف الضغط على القوة البشرية في الاستطلاع والضرب والإمداد، إلا أن هذه التكنولوجيا لا تعوّض النقص في الوحدات التي تمسك الأرض. حماية المواقع وسد الثغرات وتدوير القوات تحتاج إلى جنود موجودين فعلياً في الخطوط الأمامية؛ وهي الوحدات نفسها التي تظهر فيها مؤشرات النقص بصورة أوضح.

وتبدو الإجراءات التي اتخذتها كييف خلال الأشهر الأخيرة أقرب إلى محاولة احتواء أزمة تراكمت على مدى سنوات. إعادة العسكريين الغائبين، ورفع أجور المشاة، وتحديد مدة الخدمة، وتوسيع استقطاب المتطوعين الأجانب، وتسهيل الانتقال بين الوحدات، كلها تعكس حاجة متزايدة إلى كل عنصر يمكن إعادته أو جذبه إلى الوحدات القتالية.

ويبقى الرقم الأكثر دلالة هو الحاجة إلى 30 ألف مجند شهرياً. استمرار هذه الوتيرة يعني تعبئة نحو 360 ألف شخص سنوياً لمجرد تعويض الاستنزاف والحفاظ على حجم القوات الحالي.

ومع اقتراب الحرب من عام 2027، تصبح هذه المعادلة أكثر قسوة. كل شهر إضافي يرفع الخسائر، ويستهلك جزءاً جديداً من الاحتياط، ويزيد الحاجة إلى التدوير وإعادة التأهيل، فيما يدخل الجنود الذين التحقوا في السنوات الأولى للحرب عاماً جديداً من الخدمة.

لهذا أصبحت المعضلة البشرية من أبرز نقاط الضعف في قدرة أوكرانيا على خوض حرب طويلة؛ فاستمرار الجبهة بالمستوى الحالي بات يحتاج إلى تدفق شهري ضخم من المجندين، وإلى نجاح كييف في الاحتفاظ بمن تدربوا واكتسبوا الخبرة، في وقت تكشف إجراءاتها الأخيرة مقدار الصعوبة التي تواجهها في تحقيق الأمرين معاً.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 9/5/2026 6:02:00 PM
قضت محكمة جنايات القاهرة بإعدام المنتجة الفنية سارة خليفة وعدد من المتهمين في قضية جلب المواد المخدرة وتصنيعها والاتجار بها، كما أصدرت أحكاماً بالسجن المؤبد وبرّأت متهمين آخرين.
دوليات 9/7/2026 6:30:00 AM
تتسع جبهات الضغط على آبي أحمد من أمهرة إلى تيغراي وأوروميا، فيما يثير تقارب خصوم الأمس مخاوف من أزمة أعمق قد تهدد استقرار إثيوبيا ووحدتها من جديد.
تركيا 9/6/2026 4:04:00 PM
لقي رجل تركي يبلغ 39 عاماً مصرعه في ألانيا بعدما قفز برأسه من رصيف فندق إلى مياه لم يتجاوز عمقها 50 سنتيمتراً، ليرتطم بقاع البحر ويصاب بكسر قاتل في الرقبة.
ظهر دونالد ترامب بشعر بدا أكثر قتامة وميلاً إلى البني خلال وصوله إلى نيوجيرسي، ما أثار موجة من التكهنات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.