روسيا توسّع جبهتها في أوروبا... من لايبزيغ إلى انتخابات فرنسا؟
لم تعد المخاوف الأوروبية من تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا محصورة بما يجري على حدود القارة الشرقية. فحادثة مطار لايبزيغ/هاله في ألمانيا، وما تبعها من اتجاه برلين إلى اتهام موسكو بالوقوف وراء محاولة هجوم، ثم إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تضامنه مع ألمانيا ودعمه عقوبات أوروبية جديدة، أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع: هل توسّع روسيا مواجهتها مع أوروبا من دون الانتقال إلى حرب عسكرية مباشرة؟
وتتغذى هذه المخاوف من سلسلة حوادث وعمليات شهدتها دول أوروبية منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، من التجسس والتخريب والهجمات الإلكترونية إلى التشويش على أنظمة الملاحة واستهداف البنى التحتية ومحاولات التأثير في الحياة السياسية.
لايبزيغ ينقل المواجهة إلى الداخل
في مطلع آب/أغسطس، عُثر في المنطقة الأمنية لمطار لايبزيغ/هاله على مسيّرة مزودة بمواد متفجرة وصاعق، بالقرب من طائرات شحن أوكرانية من طراز أنتونوف. وتولت السلطات المختصة بمكافحة الإرهاب التحقيق، فيما اعتبر وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت أن الحادث يمثل "نوعية جديدة من التهديد" وسيناريو هجوم عسكري أو سيبراني.
وكشفت التحقيقات لاحقاً عن مسيّرة أخرى ومواد متفجرة إضافية، وسط اعتقاد بأن الهدف كان طائرة شحن أوكرانية تستخدم في نقل معدات عسكرية.
وفي الأول من أيلول/سبتمبر، أفادت معلومات بأن الحكومة الألمانية تتجه إلى اتهام روسيا رسمياً بالوقوف وراء محاولة الهجوم، وبحث إجراءات وعقوبات جديدة بالتنسيق مع حلفائها.
وتكتسب الحادثة أهمية خاصة لأن مطار لايبزيغ/هاله ليس مركزاً مهماً للشحن المدني فحسب، بل يؤدي أيضاً دوراً لوجستياً في عمليات النقل الاستراتيجي المرتبطة بدول حلف شمال الأطلسي.
وسرعان ما تجاوزت القضية حدود ألمانيا. فقد أعلن ماكرون أن ألمانيا حددت مسؤولية روسيا عن الحوادث الخطيرة التي وقعت في لايبزيغ في أوائل آب، معتبراً أن "هذه الهجمات الهجينة تتزايد في أوروبا، ولا يمكن أن تبقى دون رد".
وأكد ماكرون تضامن فرنسا مع ألمانيا، ودعمها اعتماد عقوبات أوروبية جديدة ضد روسيا، داعياً إلى الوحدة والحزم وتعزيز دعم أوكرانيا في مواجهة ما وصفه بالتصعيد.
لايبزيغ ليست حادثة معزولة
لا تنظر الحكومات الأوروبية إلى ما حدث في ألمانيا بوصفه حادثاً منفصلاً. فمنذ بدء الحرب في أوكرانيا، شهدت القارة حوادث شملت التجسس والتخريب والهجمات الإلكترونية والتشويش على أنظمة الملاحة واستهداف البنى التحتية والكابلات البحرية، إلى جانب استخدام المسيّرات ومحاولات التأثير في الحياة السياسية.
وتتركز المخاوف بصورة أكبر في بولندا ودول البلطيق، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، وكذلك في رومانيا، إذ ترى حكومات هذه الدول أن قربها الجغرافي من روسيا وبيلاروسيا يضعها في الخط الأول لأي توسع محتمل للمواجهة.
ودفعت هذه الهواجس الدول الأوروبية إلى تعزيز قدرات الدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات، فيما قررت دول منطقة بحر البلطيق إنشاء قوة مشتركة للتعامل مع هذه التهديدات.
لكن الخشية الأوروبية لا تتعلق فقط بإمكان استهداف منشأة عسكرية أو مطار أو بنية تحتية. ففي فرنسا، تظهر جبهة أخرى للمواجهة ترتبط مباشرة بالحياة السياسية والانتخابات الرئاسية لعام 2027.

انتخابات فرنسا على الجبهة نفسها
انعكست المخاوف من التدخل الروسي مبكراً على أجواء الحملة الرئاسية الفرنسية.
ففي نهاية تموز/يوليو، استُهدف رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب بحملة تضليل تضمنت معلومات كاذبة حول وضعه الصحي، ونُسبت إلى شبكة "Storm-1516" الموالية لروسيا.
كذلك تعرض رئيس الوزراء السابق والمرشح الرئاسي غابريال أتال لحملة أخرى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، استخدمت تقارير ومقاطع فيديو وصفحات مزيفة تنتحل هوية وسائل إعلام فرنسية.
ورصد جهاز "Viginum"، المكلف بمكافحة التدخلات الرقمية الأجنبية في فرنسا، العملية ونسبها "بدرجة ثقة عالية" إلى شبكة "Matriochka" الموالية لروسيا، فيما حذر أتال علناً من استمرار تدخل الكرملين ضد مرشحين مثله.
ولم يكن أتال وحده في دائرة الاستهداف. فقد طالت حملة تضليل مماثلة المرشح رافاييل غلوكسمان، المعروف بمواقفه المناهضة لموسكو ودعمه لأوكرانيا، ما دفع النيابة العامة في باريس إلى فتح تحقيق.
وبذلك، أصبح احتمال التدخل الروسي أحد موضوعات الحملة الرئاسية الفرنسية قبل أشهر طويلة من الانتخابات، رغم أن السلطات تشير إلى أن تأثير الحملات المرصودة على الرأي العام لا يزال محدوداً.
حرب لا تصل إلى المادة الخامسة
من لايبزيغ إلى الانتخابات الفرنسية، تطرح هذه التطورات سؤالاً يتجاوز احتمال فتح روسيا جبهة عسكرية جديدة في أوروبا. فالمخاوف تتركز على إمكان توسيع المواجهة بأدوات لا تستدعي بالضرورة رداً عسكرياً مباشراً.
فالاعتداء العسكري على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي قد يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تعتبر الاعتداء على دولة عضواً اعتداءً على جميع الأعضاء. أما عمليات التخريب والهجمات الإلكترونية والتشويش على الملاحة والتدخل في الانتخابات، فتتحرك في منطقة يصعب فيها أحياناً إثبات المسؤولية سريعاً وتحديد طبيعة الرد المناسب.
وتنفي موسكو باستمرار مسؤوليتها عن العمليات المنسوبة إليها، وتتهم الدول الغربية باستخدام هذه القضايا لإثارة الخوف من روسيا.
لكن تكرار الحوادث، وانتقال قضية لايبزيغ من التحقيق الأمني إلى مستوى الاتهام السياسي، ثم دخول فرنسا على خط المطالبة برد أوروبي وعقوبات جديدة، يعززان المخاوف من أن تداعيات حرب أوكرانيا لم تعد تتوقف عند حدودها.
فالمواجهة التي تقلق أوروبا اليوم لا تحتاج بالضرورة إلى جبهة عسكرية جديدة. يكفي أن تنتقل، بأدوات مختلفة، إلى مطاراتها وبناها التحتية وحملاتها الانتخابية.
نبض